محظورات الإحرام
مدة الملف
حجم الملف :
7998 KB
عدد الزيارات 2303

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ،وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء السادس والخمسون من اللقاءات الأسبوعية التي تتم كل أسبوع في يوم الخميس، وهذا الخميس هو اليوم السابع عشر من شهر ذي القعدة (1414هـ)، وحيث أن موسم الحج قد اقترب، فإن من الجدير أن يكون كلامنا فيما يتعلق بالحج، والعمرة. وقد مضى في الدرس السابق بيان من يجب عليه الحج، والعمرة.

أما الآن فإننا سنتكلم عما يترتب على الإحرام بالحج، والعمرة، وهو الذي يسمى عند العلماء بمحظورات الإحرام؛ وذلك لأن من حكمة الله ـ عز وجل ـ أن جعل للعبادات شروطاً للصحة، وموانع للصحة، فشروط الصحة: الشروط، والأركان، والواجبات، وموانع الصحة: هي المفسدات.

الجماع: 

فمثلاً: الصلاة فيها موانع للصحة؛ كالكلام في الصلاة فإنه يبطلها، والصيام له مبطلات، وهي المفطرات، والحج له محظورات، وهي الممنوعات حال الإحرام، وقد أشار الله ـ سبحانه وتعالى ـ إليها في القرآن الكريم، وجاءت السنة ببيانها كلها، ففي القرآن يقول الله ـ عز وجل ـ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:197]، الرفث: قال العلماء هو: الجماع، ومقدماته من المباشرة، والتقبيل، وما أشبه ذلك، والسنة جاءت بتكميل هذا المحظور، وهو أن المحرم لا يحل له أن يتزوج ويُزوج، ولا يخطب امرأة، وهو محرم، وعلى هذا؛ فالجماع، والمباشرة لشهوة، والنظر لشهوة، وعقد النكاح، والخِطبة، كلها محرمة في الإحرام.

أولاً: الجماع، قال العلماء: إذا جامع الرجل في الحج قبل التحلل الأول، ترتب عليه عدة أمور:

الأول: الإثم لوقوعه فيما حرم الله.

الثاني: فساد نسكه هذا، فلا يجزئ عن الحج ولو كان نافلة؛ لأنه فسد.

والثالث: وجوب المضي فيه، وهذا من خصائص الحج أنه يمضي في فاسده، أما غير الحج إذا فعل الإنسان مفسداته فسد، ووجب عليه أن يخرج منه، أما الحج فلو فعل الإنسان محظوراته، فإنه لا يخرج منه، فنقول لهذا الرجل الذي فسد نسكه: استمر في النسك.

الرابع: قضاؤه؛ يعني قضاء هذا الحج الذي أفسده سواء كان فريضة، أم نافلة.

الخامس: وجوب بدنة يذبحها، ويفرقها على الفقراء؛ بدنة بالغة السن مثل التي تجزئ في الأضحية، وسالمة من العيوب التي تمنع من الإجزاء.

أما ما دون الجماع كالمباشرة، ولو أنزل فيها فإنه لا يفسد بها النسك، لكنها حرام، وتجب فيها الفدية، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ ذكر الفدية فيما بعد.

ما ينهى عن لبسه في الإحرام: 

ومن المحرمات في الإحرام ما بينه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين سئل ما يلبس المحرم، قال: «لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف»، خمسة أشياء لا يلبسها المحرم هي: القميص: وهو الثوب الذي يسمى الدرع، وهو كثيابنا التي نلبسها اليوم، والعمامة: وهي التي تلف على الرأس ومثلها الغترة، والطاقية، بل قد ثبت في حديث عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في قصة الرجل الذي وقصته راحلته وهو واقف بعرفة فمات ـ رضي الله عنه ـ قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «اغسلوه بماء ،وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه، فإنه يأتي يوم القيامة ملبياً». ومعنى «لا تخمروا رأسه» أي: لا تغطوه، وانتبه لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «وكفنوه في ثوبيه» ،فلو مات المحرم فلا نذهب إلى السوق ونأتي بخرقة نكفنه فيها، بل نكفنه في لباس الإحرام الذي مات وهي عليه، فغير المحرم معروف أنه يلف إذا مات بثلاث لفائف، لكن المحرم يكفن في إزاره، وردائه، ولا يغطى رأسه؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً، يعني: يقوم من قبره يقول: لبيك اللهم لبيك، ونظيره في الجهاد: الرجل الذي يستشهد فيموت، يدفن في ثيابه، ويبعث يوم القيامة، وجرحه يثعب دماً، أي: يسيل، قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «اللون لون الدم، والريح ريح المسك». والسراويلات: معروفة. والبرانس: ثياب واسعة، يكون لها شيء يغطي الرأس متصلاً بها، وأظن بعضكم قد رأى هذا النوع من اللباس، وأكثر من يلبسه أهل المغرب. ولا الخفاف: يعني: (الكنادر)،وكذلك الجوارب مثلها لا يلبسها المحرم. ثم قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:«من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين»،فرخص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن لا يجد إزاراً أن يلبس السراويل، ولمن لا يجد نعلين أن يلبس الخفاف، ولو أن إنساناً لبس فنيلة ليس فيها خياطة؛ بأن تكون كلها منسوجة نسجاً فهذا حرام أيضاً؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منع السراويل، وهي تستر أسفل البدن، كذلك الفنيلة تحرم؛ لأنها تستر أعلى البدن، ولو لبس إزاراً مرقعاً مخيطاً، فإنه لا يحرم، وكذلك لو لبس نعالاً مخروزة فلا تحرم أيضاً.

إذاً: أريد أن أخرج من أذهانكم فكرة بعض الناس حيث يظن أن كل شيء فيه خياطة فهو حرام، وهذا ليس بصحيح، فالحرام ما حرمه الله ورسوله، وعلمتم الآن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حرم في اللباس خمسة أشياء، فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم ينص على المخيط أبداً؛ ولهذا نقول: لو أننا عبرنا بما عبر به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكان أحسن؛ لأننا إذا قلنا: يحرم على المحرم لبس المخيط ساء فهم بعض الناس معناها؛ ولهذا كثيراً ما يسأل الناس إذا لبس أحدهم إزاراً مخيطاً: هل هو محرم؟ نقول: ليس بحرام فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حدد خمسة أشياء فلا يحرم غير هذه الخمسة، إلا ما كان في معناها، فلو أن الإنسان لبس ساعة يد، لم يكن ذلك حراماً عليه؛ لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:«لا يلبس».. وعد الأشياء التي لا تلبس، وما سوى ذلك فإنه يلبس، ولو أن رجلاً تلفلف بالقميص، أي: جعله لفافة على صدره، فهذا جائز، وليس بحرام؛ لأنه لم ينه عن لبسه. إذاً: يحرم على المحرم أن يلبس هذه الأصناف من اللباس، وما كان بمعناها، فهو مثلها، فعليه لو أن إنساناً لبس مثلها على أكتافه لقلنا: هذا حرام؛ لأنه يشبه البرانس مثلاً أو قريب من البرانس جداً فيكون حراماً، لكن لو جعله لفافة تلفلف به، فجعل أعلاه أسفله، وجعله مثل الرداء لكان جائزاً، وتحريم هذه الأشياء الخمسة خاص بالرجال.

الطيب: 

يحرم على المحرم الطيب: فلا يجوز للمحرم أن يتطيب لا في ثوبه، ولا بدنه، ولا بطعامه، ولا بشرابه، رجلاً كان، أم امرأة، متى عقد الإحرام حرم عليه الطيب؛ والدليل على هذا قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الذي وقصته راحلته، قال: «لا تحنطوه»، والتحنيط: تطييب الميت؛ لأن الميت إذا مات يجعل له حنوط، يعني: أخلاطاً من الطيب، تجعل في قطن ثم توضع على عينه، أو على أنفه، أو مغابنه، حتى ينقل إلى قبره، وهو على أحسن ما يكون من طهارة، ونظافة، وتطييب، حتى إن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال للاتي يغسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، واجعلن في الآخرة كافوراً». فهذا يدل على أننا ننظف الميت تنظيفاً تاماً، ثم نضع فيه الحنوط، ثم نلف عليه أكفانه، لكن قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا تحنطوه» أي: لا تطيبوه، يدل على أن المحرم لا يطيب، وهو كذلك، ودليل آخر وهو قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «ولا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران ولا الورس» ، فإن تطيب المحرم قبل أن يحرم، وبقي أثر الطيب عليه بعد الإحرام فلا يضره، بل يسن للمحرم إذا اغتسل قبل أن يلبس ثوب الإحرام، وقبل أن يعقد النية، أن يطيب رأسه، ويكثر فيه الطيب، وكذلك لحيته؛ لقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: (كنت أرى وبيص المسك في مفارق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو محرم). فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان له شعر يصل إلى كتفيه، وإلى شحمة أذنيه أحياناً، وكان يفرقه فرقاً على الناصية، وفرقاً على الجانبين، ويضع فيه الطيب، وكان يكثر من الطيب، فيرى في مفارقه وبيص المسك، أي: بريقه، ولمعانه، وهو محرم، فإذا قال إنسان: إذا تطيبت في رأسي، وتوضأت فماذا أفعل؟ لأني لو توضأت سوف أمس رأسي، وإذا مسحت رأسي سوف أمس الطيب، فهل هذا يضر؟ نقول: هذا لا يضر؛ لأنك لم تضع طيباً جديداً على بدنك بعد الإحرام، نعم، لو فرضنا أن الإنسان يقصد أخذ شيء من الطيب الموجود على رأسه فيطيب به بقية بدنه، فهذا حرام، أما شيء بغير قصد، وإنما تتوضأ فتمس يدك الطيب، فإن هذا لا يضر.

الزواج أو الخطبة: 

ومن المحرمات -أيضاً- في الإحرام: أن يتزوج المحرم النساء، أو يخطب، فلو تزوج امرأة وهو محرم كان النكاح فاسداً؛ لأنه منهي عنه، وقد ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الذي يتزوج وهو محرم عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون مردوداً عليه.

قتل الصيد: 

ومن المحرمات: قتل الصيد بعد الإحرام؛ لقول الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:95]، والصيد: هو الحيوان الحلال البري المتوحش. أولاً: الحيوان الحلال. ثانياً: البري. ثالثاً: المتوحش. فالحيوان الحرام ليس من الصيد، فلو قتل المحرم ذئباً، أو سبعاً، أو حية، أو ما أشبه ذلك فليس عليه شيء، والحيوان البحري لا يحرم على المحرم، فلو أحرم الإنسان بالسفينة في البحر؛ كالذين يأتون من مصر ،أو يأتون من اليمن كلهم يأتون من طريق البحر، ويحرمون قبل أن يصلوا إلى جدة، فلو أنهم اصطادوا بالبحر سمكاً، وهم محرمون، كان هذا حلالاً، والمتوحش هو الذي لا يألف الناس في بيوتهم، مثل: الظبا، والحمام، والنعام، والإوز، وأشياء كثيرة من أنواع الطيور، والزواحف، وغير المتوحش وهو: الأهلي كالدجاج، فلا بأس أن يذبحه المحرم.

أحوال الناس في محظورات الإحرام: 

إذا فعل الإنسان محظوراً في الإحرام، وهو لا يدري أنه محظور يحسب أنه لا بأس به، مثل: أن يغطي رأسه، فيظن أنه إذا خاف من الحر جاز له أن يغطي رأسه، فلا شيء عليه، فليس عليه إثم ولا فدية، وكذلك لو نسي فغطى رأسه، أو تطيب ناسياً، فليس عليه إثم ولا فدية؛ لقول الله ـ تعالى ـ: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:286]، فقال الله: (قد فعلت). وإن فعل هذا متعمداً لكنه معذور؛ كرجل مريض يحتاج إلى لبس القميص فلبسه فليس عليه إثم، لكن عليه الفدية، كما قال أهل العلم، والدليل على هذا قول الله ـ تعالى ـ في الرأس: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:196].

وبهذا نعرف أن فاعل المحظورات ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أن يفعلها لحاجته إليها، فهذا ليس عليه إثم، ولكن عليه الفدية، أو الكفارة.

القسم الثاني: أن يفعلها ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً، فهذا ليس عليه شيء، لا إثم ولا فدية، ولكن متى زال عذره وجب عليه التخلي، فإذا كان ناسياً فإنه متى ذكر يجب عليه أن يتخلى عن المحظور، وإذا كان جاهلاً فمتى علم وجب عليه أن يتخلى عن المحظور.

القسم الثالث: أن يفعلها لا لحاجة، ولا لعذر من جهل، أو نسيان، أو إكراه، فهذا آثم، وعليه الفدية فيما تجب فيه الفدية. ونقتصر على هذا في محظورات الإحرام.