أنواع أنساك الحج
مدة الملف
حجم الملف :
7107 KB
عدد الزيارات 870

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الأخير في شهر ذي القعدة عام: (1413هـ) الذي يتم في يوم الخميس، أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعله وسابقاته لقاء خير وبركه، في الأسبوع الماضي تكلمنا عن شروط وجوب الحج والعمرة.

أما اليوم فسنتكلم عن صفة العمرة والحج.

فالأنساك الشرعية ثلاثة أقسام: - حج مفرَد. - وحج قِران. - وحج تمتع.

فأما الحج المفرَد: فأن يحرم الإنسان بالحج مفرداً، فيقول: لبيك حجاً.

وأما القِران: فأن يحرم بالعمرة والحج جميعاً، فيقول: لبيك عمرة وحجاً، أو يحرم بالعمرة أولاً، ثم يُدْخِل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، كما جرى ذلك لأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- حين أحرمت بالعمرة فأصابها الحيض، فأمرها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن تُدْخِل الحج على العمرة، وكان ذلك قبل أن تطوف للعمرة.

أما التمتع فهو: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج -أي: بعد دخول شوال- بِنِيَّة أن يحج هذا العام، ثم يتحلل منها، ويحرم بالحج في وقته. وهذا الأخير -أعني: التمتع- هو الأفضل؛ لأنه الذي أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- ولأنه أكثر عملاً، فإن المتمتع يأتي بالعمرة كاملة ويتحلل منها، ثم يأتي بالحج، إلا إذا ساق الهدي معه بِأَن اصطحب معه هدياً إلى مكة فإنه لا سبيل له إلا القِران فقط، أو الإفراد؛ لأن مَن ساق الهدي لا يمكن أن يتحلل إلا يوم العيد، ودليل ذلك: أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم -لما حج أمر أصحابه أن يجعلوا إحرامهم عمرة إلا من ساق الهدي، وبقي هو -صلى الله عليه وسلم- على إحرامه؛ لأنه قد ساق الهدي.

صفة العمرة:

أما كيفية العمرة: فالإنسان إذا وصل إلى الميقات تجرَّد من ثيابه واغتسل وتطيب في رأسه ولحيته، كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يلبس إزاراً ورداءً أبيضين نظيفين أو جديدين، وتفعل المرأة كما يفعل الرجل إلا في اللباس، فإنها تلبس ما تلبسه عادةً، وتلبس ما شاءت من الثياب إلا أنها لا تتبرج بالزينة، ولا تتطيب بالطيب الذي تظهر رائحتُه؛ لئلا يكون في ذلك فتنة. فإذا أتم ذلك فليحرم. وإذا ركب السيارة فليقل: لبيك اللهم عمرة، ولا حاجة إلى أن يقول: متمتعاً بها إلى الحج، بل يقول: لبيك اللهم عمرة، ونيته كافية. ولا يزال يلبي حتى يصل إلى مكة، ثم يعمد إلى الكعبة فيطوف، وهذا الطواف هو الطواف الأول، وفيه ينبغي للرجل أن يضطبع من أول الطواف إلى آخره، وأن يرمُل في الأشواط الثلاثة الأولى. فالاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن، وطرفيه على كتفه الأيسر في كل الطواف؛ لكن لا يضطبع قبل الطواف ولا بعده، وأما الرَّمَل فيكون في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، وهو أن يسرع في المشي مع مقاربة الخُطَا. وفي ابتداء الطواف يستلم الحَجَر الأسود ويقبِّله، فإن لم يستطيع استلمه وقبَّل يده، فإن لم يستطيع أشار إليه ولا يقبِّل يده، ويقول في ابتداء الطواف: باسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، ويجعل البيت عن يساره. ويمسح الركن اليماني بيده اليمنى، فإن لم يستطع فإنه لا يشير إليه؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- والعبادات لا تثبت بالقياس. ويقول بينه وبين الحَجَر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:201] فإن قالها قبل أن يصل إلى الحَجَر الأسود وذلك فيما إذا كان الطواف زحاماً فإنه يكررها، ولو كررها عشر مرات لا يضر. فإذا حاذى الحَجَر الأسود كَبَّر، ثم يكبِّر كلما حاذى الحَجَر الأسود، ولا يكبر عند الركن اليماني؛ لعدم وروده عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فإذا أتم سبعة أشواط التي ينبغي أن يدعو فيها، ويذكر الله، ويقرأ القرآن إن أحب، وإذا رأى منكراً أنكره، وإذا رأى إخلالاً بواجب أمَرَ به؛ لأن هذا من الخير؛ لكن لا يشْغَله عن طوافه، فإذا أتمها صلى ركعتين خلف المقام، يقرأ في الأولى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:1]، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1] مع الفاتحة، ويُسَن تخفيفهما، ثم ينصرف بعدهما فوراً، ولا يجلس للدعاء؛ لعدم وروده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يتجه بعد ذلك إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:158] أبدأ بما بدأ الله به، فيرقى على الصفا ويستقبل القبلة، ويرفع يديه داعياً، ويقول: الله أكبر ثلاثاً (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير, لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثانية، ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثالثة. ثم ينزل متجهاً إلى المروة حتى يصل إلى العمود الأخضر، فيسعى سعياً شديداً -أي: يركض- إلا إذا كان هناك زحام وتأذَّى بالركض، أو آذى غيرَه، فلا يفعل، فإذا وصل إلى المروة صعد عليها، وقال ما قاله على الصفا وهذا شوط. وإذا رجع من المروة إلى الصفا فهذا شوط آخر، حتى يكمل سبعة أشواط. سؤال: ماذا يقول في هذه الأشواط الطويلة؟ الجواب: يقول ما شاء من ذكر، ودعاء، وقرآن، وغير ذلك. وأنبِّه هنا أنه يوجد كتيبات فيها الدعاء لكل شوط في الطواف، والدعاء لكل شوط في السعي، وهذه بدعة لا أصل لها ولا يُعمل بها؛ لأن كل بدعة ضلالة. ويوجد أيضاً بعضُ الناس كلما صعد الصفا أو أقبل عليه قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:158]، وكذلك في المروة ، وهذا خطأ، وإنما يقرأ هذه الآية إذا خرجَ من المسجد الحرام ودنا من الصفا قبل أن يصعد عليها، يقرأها مرة واحدة في أول مرة فقط. ثم بعد السعي يقصِّر من جميع الرأس. وبذلك تمت العمرة وأحلَّ التحلل كله.

صفة الحج:

إذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج، فماذا يصنع؟ نقول: أيام الحج هي: الثامن، والتاسع، والعاشر، والحادي عشر، والثاني عشر (خمسة أيام) وإن شاء زاد الثالث عشر فتكون ستة، ولننظر ماذا يفعل في اليوم الأول!

أعمال الحج في اليوم الثامن:

في اليوم الأول -يوم الثامن- يحرم بالحج ضُحَىً قبل الظهر من مكانه الذي هو فيه، إن كان في مكة فمن مكة ، وإن كان في مِنى فمن مِنى، وإن كان في عرفة فمن عرفة ، من أي مكان كان، فيحرم بالحج من مكانه في أي مكان كان. ثم يخرج إلى مِنى ويبقى فيها، يصلي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر قصراً بلا جمع؛ لأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يجمع في حَجِّه حين خرج إلى الحج، إلا في عرفة ومزدلفة فقط.

أعمال الحج في اليوم التاسع:

فإذا طلعت الشمس يوم عرفة -وهو اليوم التاسع- فماذا يفعل؟ الجواب: يذهب إلى عرفة ، وإن تيسَّر له أن ينزل بنَمِرة نزل إلى زوال الشمس، ثم يركب إلى عرفة ، وإن لم يتيسر -كما هو الغالب في الوقت الحاضر- فليستمر في سيره إلى عرفة وينزل فيها، فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر جمع تقديم، ثم تفرغ بعد ذلك للدعاء والذكر؛ يدعو الله -سبحانه وتعالى- ويذكره بما شاء إلى أن تغرب الشمس، وبهذا تنتهي أعمال اليوم التاسع.

أعمال الحج في اليوم العاشر:

وفي اليوم العاشر -ومنه ليلة العاشر بعد غروب الشمس- يدفع من عرفة إلى مزدلفة ، فيصلي بها المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، ويبيت بها حتى يصلي الفجر، ثم يذكر الله عزَّ وجلَّ إلى أن يُسْفِر. ثم ينصرف إلى مِنى، فماذا يفعل في هذه الليلة؟ الجواب: يصلي المغرب والعشاء في مزدلفة ويبيت بها، ويصلي الفجر، ويدعو، حتى يُسْفِر، وله أن يدفع في آخر الليل من مزدلفة إذا غاب القمر؛ لكن إن كان قوياً لا يشق عليه مزاحمة الناس فإنه يبقى حتى يصلي الفجر ويدعو، وإن كان ضعيفاً يشق عليه مزاحمة الناس، أو كنَّ نساء؛ فإنه لا حرج عليه أن ينصرف في آخر الليل، وليس الحكم معلقاً بنصف الليل، بل في آخر الليل، وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها ترتقب غروب القمر فإذا غاب دَفَعَت. أما يوم العيد وبعد أن يصل إلى مِنى فعليه أن يفعل ما يأتي:

أولاً: رمي جمرة العقبة، بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، ثم ينصرف ولا يقف.

ثانياً: النحر، ينحر الهدي أو يذبحه، إن كان من الإبل فنَحْرٌ، وإن كان من غيرها فذَبْح.

ثالثاً: الحلق أو التقصير. رابعاً: الطواف بالبيت. خامساً: السعي بين الصفا والمروة ، خمسة أنساك تُفْعَل في اليوم العاشر، ولهذا سُمِّي هذا اليوم (يوم الحج الأكبر) لأنه أكثر الأيام أنساكاً، وهي أنساك متنوعة: رمي، ونحر أو ذبح، وحلق أو تقصير، وطواف، وسعي. وهذه الأنساك مرتبة كما عرفتم: - فيبدأ أولاً بالرمي. - ثم بالنحر أو الذبح. - ثم بالحلق أو التقصير. - ثم بالطواف. - ثم بالسعي. فتُرَتَّب هكذا.. وإن قدَّم بعضها على بعض فلا حرج، أعني: لو أنه حين دَفَعَ من مزدلفة استمر في السير حتى وصل إلى مكة وطاف، وسعى، وخرج إلى مِنى فرمى، ونحر أو ذبح، وقصر أو حلق فلا حرج عليه، ولو أنه رمى ثم حلق أو قصر، ثم نزل إلى مكة وطاف وسعى، ثم عاد إلى مِنى ونحر أو ذبح فلا بأس، ولو أنه رمى ثم نحر أو ذبح، ثم نزل إلى مكة وطاف وسعى، ثم حلق، فلا بأس.

المهم أن تقديم هذه الأفعال الخمسة بعضِها على بعض لا بأس به؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم -كان يسأل يوم العيد في التقديم والتأخير، فما سئل عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: (افعل ولا حرج). إذاً.. في اليوم العاشر ماذا يفعل؟ الجواب: يفعل خمسة أنساك: - الرمي. - ثم النحر أو الذبح. - ثم الحلق أو التقصير. - ثم الطواف. - ثم السعي. مرتبةً هكذا. وإن قدَّم بعضها على بعض فلا بأس، وإن أخر الطواف والسعي حتى ينزل من مِنى، فيطوف ويسعى عند سفره، فلا بأس، وفي هذه الحال يجزئ عن طواف الوداع. وإن نزل من مِنى ليلاً وطاف وسعى في الليلة الحادية عشرة أو الليلة الثانية عشرة، فلا بأس؛ لكن لِيُلاحِظ أن لا ينزل من مِنى إلا بعد منتصف الليل؛ لأنه لو نزل قبلُ فربما يحجزه السير عن الرجوع إلى مِنى، فيفوته المبيت، فليكن محتاطاً، إما أن ينزل مبكراً في النهار ليتمكن من الطواف والسعي والرجوع إلى مِنى قبل منتصف الليل، أو أن يتأخر حتى يمضي أكثرُ الليل، ثم ينزل ليطوف ويسعى.

أعمال الحج في اليوم الحادي عشر:

في اليوم الحادي عشر يرمي الجمرات الثلاث: الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة. - فيرمي الأولى بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، ثم يقف بعد ذلك مستقبِلَ القبلة، رافعاً يديه يدعو دعاءً طويلاً، كما جاءت بذلك السنة. - ثم يرمي الوسطى بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم ويقف طويلاً مستقبِلَ القبلة، رافعاً يديه يدعو الله -عزَّ وجلَّ- ثم يرمي جمرة العقبة، ولا دعاء بعدها، فجمرة العقبة ليس بعدها دعاء، ولا يوم العيد، ولا الأيام التي بعده.

أعمال الحج في اليوم الثاني عشر:

-وفي اليوم الثاني عشر يرمي أيضاًَ الجمرات الثلاث متعاقبات: الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ثم ينصرف. ولا يرمي في هذين اليومين -أعني: الحادي عشر، والثاني عشر- إلا بعد الزوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرمِ إلا بعد الزوال، وقال:«خذوا عني مناسككم». وبعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر إن شاء تعجَّل ونزل إلى مكة وأنهى حجَّه، وإن شاء تأخَّر إلى اليوم الثالث عشر؛ لأن الله -تعالى- يقول: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:203].

أعمال الحج في اليوم الثالث عشر:

فإذا كان اليوم الثالث عشر، وهو متأخر في مِنى رمى الجمرات الثلاث، كما يرميها في اليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، وبذلك تنتهي أعمال الحج. وإذا أراد الخروج إلى بلده فإنه لا يَخرج، حتى يطوف للوداع طوافاً بدون إحرام، وبدون سعي.

تقبل الله منا ومنكم ومن جميع المسلمين، ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، إنه جواد كريم.