تفسير آيات من سورة النازعات
مدة الملف
حجم الملف :
2779 KB
عدد الزيارات 1637

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثاني في هذا الشهر، شهر جمادى الآخرة سنة (1413هـ) يوم الخميس التاسع من هذا الشهر، نبدأ في هذا اللقاء بما وقفنا عليه من تفسير سورة النازعات.


تفسير قوله -تعالى-: (فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة):

قال تعالى في بيان قيام الساعة: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:13-14] زجرة من الله -عز وجل- يزجرون ويصاح بهم، فيقومون من قبورهم قيام رجل واحد على ظهر الأرض بعد أن كانوا في بطنها، قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:53] كل الخلق بهذه الكلمة الواحدة يخرجون من قبورهم أحياءً، ثم يحضرون إلى الله -عز وجل- ليجازيهم، ولهذا قال:﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ۞ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ﴾ [النازعات:13-14] وهذا كقوله -تعالى-: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾[القمر:50] أي: ما أمر الله إذا أراد شيئاً أن يكون إلا واحدة فقط، وهي كن! ولا يتأخر هذا عن قول الله لحظة ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:50] والله -عز وجل- لا يعجزه شيء؛ فإذا كان الخلق كلهم يقومون من قبورهم لله -عز وجل- بكلمة واحدة فهذا أدل دليل على أن الله -تعالى- على كل شيء قدير، وأن الله لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، كما قال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ [فاطر:44].﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ۞ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾  [النازعات:13-14].

تفسير قوله تعالى: (هل أتاك حديث موسى): 

ثم قال -تعالى- مبيناً ما جرى للأمم قبل محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وليعُلم أن ما قص الله -عز وجل- علينا من أخبار الأمم السابقة له فوائد كثيرة، وعبر عظيمة، كما قال -تعالى-: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف:111] فمن ذلك تسلية الرسول -صلى الله عليه وسلم- عما أصابه من قومه من الأذى القولي والفعلي، فكأن الله يقول له: إن الرسل من قبلك قد أوذوا ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:34] ومن ذلك: أن فيها تهديداً للمكذبين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة من العذاب والنكال، قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:10]. والعبر في قصص الأنبياء كثيرة، قال -تعالى-: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [النازعات:15] والخطاب في قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ ﴾[النازعات:15] للنبي -صلى الله عليه وسلم- أو لكل من يتأتى خطابه ويصح توجيه الخطاب إليه، ويكون على المعنى الأول: هل أتاك يا محمد، وعلى المعنى الثاني: هل أتاك أيها الإنسان! حديث موسى وهو ابن عمران عليه الصلاة والسلام أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو أحد أولي العزم الخمسة الذين هم محمد -صلى الله عليه وسلم- وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح، وقد ذكروا في القرآن في موضعين أحدهما في الأحزاب، وهو قوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:7] والثاني في الشورى: وهو قوله -تعالى-: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى:13]. وحديث موسى عليه الصلاة والسلام ذكر في القرآن أكثر من غيره؛ لأن موسى -عليه الصلاة والسلام- هو نبي اليهود، وهم كثيرون في المدينة وحولها في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فكانت أخبار موسى أكثر ما قص علينا من نبأ الأنبياء، وأشملها، وأوسعها، وفي قوله:﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [النازعات:15] تشويق للسامع، ليستمع إلى ما جرى في هذه القصة.

تفسير قوله تعالى: ( إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى): 

قال -تعالى-: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ۞ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [النازعات:16-17] فرعون كان ملك مصر، وكان يقول لقومه: إنه ربهم الأعلى، وإنه لا إله غيره، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:38] فادعى ما ليس له وأنكر حق الله -عز وجل- وقوله: ﴿ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ ﴾ [النازعات:16] هو: الطور، والوادي: هو مجرى الماء، وسماه الله المقدس؛ لأنه كان فيه الوحي إلى موسى -عليه الصلاة والسلام- وقوله: ( طُوىً ) اسم للوادي،﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ۞ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات:17-18].

ونكتفي بهذا القدر، وستأتي -إن شاء الله- بقية القصة، والآن موعدنا مع الأسئلة.