الحث على الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة
مدة الملف
حجم الملف :
13310 KB
عدد الزيارات 365

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 
أما بعد:
 
فهذا هو لقاء شهر ذي القعدة، وهو اللقاء الشهري الذي يتم في ليلة الثالث من كل أحد من كل شهر، وهذه الليلة هي الليلة السادسة عشرة من شهر ذي القعدة عام (1415هـ) وهو اللقاء المتمم للسادس والعشرين من اللقاءات الماضية، نسأل الله تعالى أن يجعلها لقاءات مباركة نافعة لنا ولكم.
 
هذا اللقاء سيكون عن شهر ذي الحجة، هذا الشهر -أعني: شهر ذي الحجة- هو أحد الأشهر الثلاثة المتوالية من الأشهر الحرم؛ لأن الأشهر الحرم أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وهذه متوالية، والرابع هو شهر رجب المنفرد الذي بين جمادى الآخر وشعبان.
 
هذا الشهر هو أفضل الأشهر الثلاثة الحرم؛ لأنه يعمل فيه من الأعمال الصالحة ما لا يعمل في غيره.
 
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر » -أي: عشر ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء».
 
وهذا الحديث يدل على أنه ينبغي لنا أن نكثر من الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة: فمنها:
 
أن نكثر من التسبيح، والتهليل، والتكبير، فنقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، نكثر من الصدقة؛ لأنها من الأعمال الصالحة، نكثر من الصلاة؛ لأنها أفضل الأعمال البدنية، نكثر من قراءة القرآن؛ لأن القرآن أفضل الذكر، نكثر من كل عمل صالح، ونصوم أيام العشر؛ لأن الصيام من الأعمال الصالحة، وحتى لو لم يرد فيه حديث بخصوصه فهو داخل في العموم؛ لأنه عمل صالح، فنصم هذه الأيام التسعة؛ لأن العاشر هو: يوم العيد ولا يصام.
 
ويتأكد الصوم يوم عرفة إلا للحجاج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في يوم عرفة: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده».
 
أحكام الأضحية:
 
ومما يفعل في هذه الأيام العشر ذبح الأضاحي تقرباً إلى الله عز وجل، واقتداء بسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عشر سنوات في المدينة، إلا السنة العاشرة فقد كان في مكة، والأضحية في الأصل سنة للأحياء، إظهاراً للشعائر، وإظهاراً للسرور، وشكراً لله عز وجل، فالأصل أنها للأحياء، ولكن لا حرج على الإنسان إذا ضحى بواحدة ونواها عنه وعن أهل بيته الأحياء والأموات.
 
وأما تخصيص الميت بأضحية لم يوصِ بها فهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد توفي للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بناته الثلاث قبله، ومع ذلك لم يضحِ لهن، واستشهد عمه حمزة بن عبد المطلب ولم يضح عنه، ومات له زوجتان خديجة، و زينب بنت خزيمة، ولم يضح عنهما، ولو كانت الأضحية عن الميت مشروعة لبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إما بقوله وإما بفعله.
 
إذاً: الأضحية مشروعة عن الأحياء، يضحي الرجل عنه وعن أهل بيته بشاة واحدة، وما يفعله عوامنا اليوم تجد أهل البيت -مثلاً- عشرة أفراد، كل فرد له وظيفة، فيقول كل واحد: أنا أريد أن أضحي عن أبي، كم يكون لأبيه من أضحية؟ عشر، من قال هذا؟! أين مشروعية هذا في كتاب الله، أو سنة رسوله، أو عمل السلف الصالح؟
 
كان الصحابة يضحي الرجل بالواحد عنه وعن أهل بيته، وحتى أكرم الخلق محمد صلى الله عليه وسلم لا يضحي بأكثر من واحدة عنه وعن أهل بيته، مع أنه أكرم الخلق، ومع أن الله أفاء عليه من الأموال ما أفاء ومع ذلك لم يضحِ بأكثر من واحدة.
 
نقول لهؤلاء الذين يضحون بعشر ضحايا أو أكثر عن أمواتهم نقول: رويدكم، لا تنفقوا أموالكم في شيء لم يفعله الصحابة مع نبيهم، إذا كان لديكم فضل مال فليضح قيم البيت بواحدة عنه وعن أهل بيته، ولتصرف بقية هذه الأموال إلى إخواننا في البوسنة الهرسك، والشيشان، وغيرها من بلاد المسلمين، الذين هم في حاجة إلى أموالنا، أما أن يبطر الإنسان، ويسرف فيضحي بعشر ضحايا لواحد أو لاثنين فهذا غلط، وليس من الشرع في شيء، وأخشى أن يكون الإنسان آثماً لا سالماً؛ لأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولو سألنا أي أحد: من أكرم الناس؟ لقال: محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هل ضحى بأكثر من واحدة عنه وعن أهل بيته؟ أبداً ما ضحى، ضحى باثنتين، واحدة عنه وعن أهل بيته، وواحدة عن الأمة جميعاً.
 
إذاً: لتكن عباداتنا مبنية على علم وبصيرة وهدى، ليس الشرع عاطفة إذا أحب الإنسان شيئاً فعله وتقرب به إلى الله، الشرع شريعة من الله، فهل شرع الله على لسان رسوله أن يضحي الرجل بأكثر من واحدة؟ أبداً.
 
فالذي أرى أن من عنده فضل مال فليجد به على إخوانه المتضررين المشردين الميتمين الذين هم في ضرورة لأموالنا، هذا هو الصواب.
 
عدم إرسال الأموال ليضحى بها في أماكن أخرى والمصالح التي تفوت بسبب إرسالهاوعكس ذلك:
 
أقوام يبذلون أموالهم ليضحى بها في أماكن أخرى، وهذا غلط، بعض الناس يعطي هيئة الإغاثة، أو غيرها من الجهات دراهم ليضحى عنه في أماكن أخرى، هذا لم يؤد الأضحية، الأضحية شعيرة ينبغي أن تقام في كل بلد، ومن نعمة الله عز وجل أنه لما اختص الحجاج بالهدايا يذبحونها تقرباً إلى الله في أيام العيد شرع الله لمن لم يحج أن يضحي، حتى يشاركوا الحجاج في شيء من شعائر الله عز وجل ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:36] فإذا كان هذا هو المقصود من الأضحية قلنا للإنسان: لا تضح خارج بيتك، ضح في بلدك، أقم هذه الشعيرة.
 
والأضحية في مكان يبعث بالدراهم إليه مخالف للسنة، يفوت بها مصالح كثيرة، أذكر منها ما يلي:
 
أولاً: إخفاء شعيرة من شعائر الله في بلادك وهي: الأضحية.
 
ثانياً: يفوتك التقرب إلى الله تعالى بذبحها؛ لأن المشروع في الأضحية أن يباشر الإنسان ذبحها بيده، فإن لم يحسن فقال العلماء: يحضر ذبحها، وهذا يفوته.
 
ثالثاً: يفوتك ذكر اسم الله عليها؛ لأن الأضحية إذا كانت عندك في البلد، فأنت الذي تذكر اسم الله عليها، وقد أشار الله إلى هذه الفائدة بقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج:34] فتذهب أضحيتك إلى مكان بعيد لا تدري هل يذكر اسم الله عليها أم لا، وتحرم نفسك من ذكر اسم الله عليها.
 
رابعاً: يفوتك أن تأكل منها، لأنها إذا كانت في البوسنة والهرسك، و الشيشان، و الصومال، وغيرها، هل يمكن أن تأكل منها؟! لا. يفوتك الأكل منها وقد قال الله عز وجل: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾[الحج:28]، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:36] فبدأ بالأكل، ولهذا ذهب بعض علماء المسلمين إلى أن الأكل من الأضحية واجب، كما تجب الصدقة يجب الأكل، وهذا قطعاً يفوت إذا ضحيت في غير بلادك.
 
خامساً: أنه يفوتك التوزيع المطلوب؛ لأن المطلوب في الأضحية أن تأكل، وتهدي، وتتصدق، وهذا يفوت، إذا وزعت هناك لا ندري أتوزع صدقة على الفقراء، أم هدية على أغنياء، أم هدية على قوم ليسوا بمسلمين؟!
 
سادساً: أنك تحرم أهل بلدك من الانتفاع بهذه الأضاحي، أن تقوم بالإهداء إلى جيرانك وأصحابك من الأضحية، وبالصدقة على فقراء بلدك، لكن إذا ذهبت هناك فات هذا الشيء.
 
سابعاً: أنك لا تدري هل تذبح هذه على الوجه الأكمل أو على وجه خلاف ذلك، ربما تذبح قبل الصلاة، وربما تؤخر عن أيام التشريق، وربما لا يسمِ عليها الذابح، كل هذا وارد، لكن إذا كانت عندك ذبحتها على ما تريد، وعلى الوجه الأكمل، ولهذا ننصح بألا تدفع الدراهم ليضحى بها خارج البلاد، بل تضحى هنا، وننصح -أيضاً- بأن من عنده فضل مال فليتصدق به على إخوانه المحتاجين في أي بلاد من بلاد المسلمين، ولتكن الأضحية له من غير غلو ولا تقصير.
 
ترك الأخذ من الشعر أو البشرة أو الظفر:
 
ومن خصائص شهر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي: ألا يأخذن من شعره أو بشرته أو ظفره شيئاً، حتى الأمور المطلوب أخذها لا يأخذها: حلق العانة، نتف الإبط، قص الشارب، تقليم الأظفار، كل ذلك سنة، لكن إذا دخل العشر وأنت تريد أن تضحي فلا تأخذ من ذلك شيئاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الأخذ منها ممن أراد أن يضحي، وأما الذي يضحى عنه فلا نهي في حقهم، وعلى هذا إذا كان صاحب البيت قيم البيت هو الذي يريد أن يضحي فإنه لا يأخذ من ذلك شيئاً، وأما أهل البيت فلا حرج عليهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «وأراد أحدكم أن يضحي». ولم يقل: أو يضحى عنه، ولأنه كان يضحي هو عنه وعن أهل بيته ولا يقول لأهل البيت: اجتنبوا الأخذ من ذلك.
 
ولكن لو أن الإنسان نسي وأخذ هل يؤثر هذا على أضحيته؟ لا يؤثر، أو تعمد فأخذ فإن ذلك لا يؤثر على أضحيته لكنه يكون قد ارتكب النهي.
 
السؤال:
 
ولو أن الإنسان لم يفكر في الأضحية وأخذ من شعره وأظفاره بعد دخول شهر ذي الحجة، ثم بدا له أن يضحي فهل يضحي أو لا؟
 
الجواب:
 
نعم يضحي؛ لأنه لا علاقة بين الأضحية وبين الأخذ من هذه الأشياء.
 
شروط وجوب الحج والعمرة:
 
الحج والعمرة واجبان في العمر مرة على المستطيع بشروط، وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والاستطاعة، هذه خمسة شروط إذا تمت وجب على الإنسان أن يحج.
 
ومن الاستطاعة: أن يكون للمرأة محرم، فإن لم تجد محرماً فلا حج عليها ولو كان عندها أموال كثيرة؛ لأنه يتعذر سفرها شرعاً، والمتعذر شرعاً كالمتعذر حساً، ولتطمئن المرأة التي عندها مال وليس عندها محرم، ولينشرح صدرها بأنه لا حج عليها كالفقير الذي ليس عنده مال لا زكاة عليه، وهي إذا لاقت ربها في هذه الحال فقد لاقته وليست آثمة؛ لعجزها عن الحج شرعاً، تصبر حتى ييسر الله لها محرماً، فإن لم يتيسر فالحمد لله الأمر واسع.
 
وكذلك من عليه دين حال مطالب به فليقض دينه أولاً، فإن لم يفِ المال الذي عنده بالدين والحج سقط عنه الحج، وإن كان الدين مؤجلاً -مقسطاً- وهو واثق من نفسه أنه إذا حل أجل الدين أوفاه فليحج، كما لو كان عنده قرض للبنك العقاري وهو واثق من أنه إذا حل أجل القسط فإنه يدفعه فليحج ولو كان عليه دين، أما إذا كان ليس عنده ثقة من نفسه أن يوفي فلا يحج ولو كان الدين مؤجلاً، ولو سامحه صاحب الدين؛ لأن وفاء الدين أهم.
 
وبهذه المناسبة أحذر ثم أحذر ثم أحذر من التهاون بالدين، فإن التهاون بالدين سفه في العقل؛ لأن الدين عظيم.
 
وأذكر لكم ثلاثة أشياء:
 
أولاً: إذا استشهد الرجل في سبيل الله فالشهادة تكفر كل شيء إلا الدين، كل المعاصي تكفرها الشهادة، من زنا، وسرقة، وشرب خمر، وغيره، تكفره الشهادة إلا أن السرقة ترد إلى صاحبها إلا الدين.
 
ثانياً: المدين لا يصلي عليه الإمام، إذا مات المدين وعليه دين ليس له وفاء فإن الإمام لا يصلي عليه، والدليل: أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا قدم عليه الميت وعليه دين ليس له وفاء، قال: «صلوا على صاحبكم» ولم يصل عليه، والإمام الأعظم رئيس الدولة مثل النبي صلى الله عليه وسلم له السلطة على من تحت يده فلا يصلي عليه، أما إمام كل مسجد فهذا راجع إلى اجتهاد الإنسان، قدم إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرة رجل من الأنصار فخطا خطوات ليصلي عليه ثم سأل: (أعليه دين؟ قالوا: نعم. قال: صلوا على صاحبكم -الله أكبر- فتغيرت وجوه القوم، فقال أبو قتادة: يا رسول الله، الديناران علي، قال له: حق الغريم وبرئ منهم الميت؟ قال: نعم. فتقدم وصلى، ثم كان يسأل أبا قتادة :« هل أوفيت عنه؟»فلما قال: نعم. قال: «الآن برَّدت عليه جلدته» من الذي بردت عليه جلدته؟ الميت المدين. ويروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» وهذا يدل على أنه يجب على الإنسان أن يحذر من الدين.
 
تقدمت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: إني وهبت نفسي لك، فلم يردها الرسول عليه الصلاة والسلام، فقام رجل من القوم قال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها. قال: «هات المهر». قال: ما عندي إلا إزاري فقط، قال راوي الحديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: ليس له رداء -أي: ما عليه إلا إزار أعلى جسده عارٍ؛ لأنه فقير- قال له عليه الصلاة والسلام: «إزارك إن أعطيتها إياه بقيت بلا إزار، وإن بقي عليك بقيت بلا مهر» -لا يمكن- «التمس ولو خاتماً من حديد»، فذهب فلم يجد شيئاً، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال له: ما وجدت شيئاً، قال: «هل معك شيء من القرآن؟». قال: نعم. سورة كذا وكذا، فقال: «زوجتكها بما معك من القرآن». أي: علمها، فعلمها. ولم يقل: تسلف من إخوانك، أو تسلف من الناس، مما يدل على عظم شأن الدين، وإخواننا اليوم وقومنا اليوم يشتري الإنسان سيارة بسبعين ألف ديناً، مع أنه يستطيع أن يشتري سيارة بعشرين ألف، لكن يقول: أنا أريد سيارة فخمة، وهذا غلط، يعمر بيتاً يكفيه أن يعمر بيتاً -مثلاً- بثلاثمائة ألف، يقول: لا أعمر بيتاً بخمسمائة ألف، يعمر بيتاً على قدر حاله، ويمكنه أن يستعمل البيت بدون أن يوثق نفسه بالديون، يقول: لا، سأفرش البيت من بابه إلى سطحه، كله حتى الدرج، لماذا وأنت فقير؟ هذا إسراف وغلط، فالتهاون بالدين أمره صعب.
 
إذاً .. الإنسان المدين نقول: لا تحج وعليك دين إلا إذا كنت واثقاً من أنه إذا حل القسط وفيت وإلا فالدين أهم.
 
صفة الحج:
 
أما الحج فهو أن يقصد الإنسان بيت الله عز وجل ليؤدي مناسك الحج.
 
نذكر صفته على وجه الإجمال: تخرج من بيتك مريداً للحج والعمرة من البيت، من أجل أن تكون خطواتك في طاعة الله، إذا وصلت إلى الميقات -أول ميقات تمر به- تحرم منه، وعند الإحرام تغتسل، وتتطيب، وتلبس ثوب الإحرام، وإذا كنت قريباً من مكة -أي: قريباً من الميقات- يمكنك أن تصل في نهارك وخفت أن يكون المكان زحاماً واغتسلت في بيتك فلا بأس، لكن لا تلبس ثياب الإحرام إلا في الميقات،
 
إذا لبست ثياب الإحرام فصل صلاة الفريضة إن كانت حاضرة، أو صلاة الوضوء إذا لم تكن فريضة، ثم تنوي فتقول: لبيك عمرة، أنت تقول: لبيك عمرة، وأنت تريد الحج هذا العام، وتمضي حتى تصل إلى البيت، فتطوف سبعة أشواط تبدأ بالحجر الأسود وتنتهي بالحجر الأسود، وفي هذا الطواف يسن للرجل سنتان: السنة الأولى: الرمل، والسنة الثانية: الاضطباع، فأما الرمل فهو أن يسرع المشي مع مقاربة الخطا في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، والأربعة الباقية يمشي فيها على عادته، والثلاثة الأشواط الأولى إذا كان المطاف زحاماً فليمش على ما يكون في راحة له وللطائفين، فإذا أتم سبعة أشواط صلى ركعتين خلف المقام إن تيسر له، وإلا ففي أي مكان من المسجد.
 
ثم يخرج إلى الصفا، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:158] قبل أن يصعد على الصفا، ثم يصعد على الصفا ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويقول ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس هذا موضع الذكر أخشى أن يطول الوقت، ثم ينزل من الصفا متجهاً إلى المروة، فإذا وصل إلى العلم الأخضر -العمود الأخضر- الذي فوقه نجفات خضراء سعى -أي: ركض ركضاً شديداً- إلى العلم الآخر، هذا إن تيسر وإلا فلا يشق على نفسه، ولا على غيره، ثم يمشي مشيه المعتاد إلى المروة، ثم يصعد المروة ويتجه إلى القبلة، ويرفع يديه ويقول ما قاله على الصفا، فهذا شوط، ثم ينزل إلى المروة ويمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه ويقول على الصفا ما قاله في أول مرة، حتى يتم سبعة أشواط، يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة، ذهابه من الصفا إلى المروة شوط ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر.
 
ثم بعد هذا يقصر من شعر رأسه، من جميع الرأس لا من جانب أو جوانب، بل من جميع الرأس، ثم يحل من عمرته حلاً تاماً تاماً، يلبس الثياب العادية، ويتطيب، ويتمتع بأهله إن كانوا معه، ويحل من كل شيء حرم عليه بالإحرام، فيبقى كذلك محلاً إلى اليوم الثامن من ذي الحجة، فيحرم في اليوم الثامن ضحىً قبل الظهر بالحج، ويغتسل كما يغتسل بالعمرة، ويتطيب في بدنه دون ثيابه، ويبقى في منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً بلا جمع.
 
فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة وينزل بنمره إن تيسر له، وهي قرية قرب عرفة وليست من عرفة، فإذا زالت الشمس سار إلى عرفة، وإذا لم يتيسر له ذلك، فإنه يذهب من منى إلى عرفة رأساً، ويمكث فيها حتى يأتي وقت الظهر فيصلي الظهر والعصر جمعاً وقصراً، والجمع هنا جمع تقديم، ثم يتفرغ للدعاء، ويلح بالدعاء، ويستقبل القبلة رافعاً يديه، ويجتهد في الدعاء، والذكر، والقرآن، وكل ما يكون نشيطاً عليه، وإذا حصل له ملل أو كسل كما هو الغالب في وقتنا هذا فإنه لا بأس أن يتكلم فيما ينشطه، لكن ليحرص على أن يكون آخر اليوم متفرغاً للدعاء والذكر.
 
فإذا غربت الشمس سار إلى مزدلفة، فإذا وصلها صلى المغرب والعشاء جمعاً وقصراً ثم بعد أن يصلي المغرب والعشاء والوتر ينام إلى أن يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر صلى الصبح مبادراً بها، فيصلي سنة الفجر وصلاة الفجر، ويبقى هناك -أي: في مزدلفة- إلى أن يسفر جداً -أي: يبين السفر تماماً- ثم ينطلق من مزدلفة إلى منى، وللإنسان الضعيف أو من يصاحب الضعيف أن ينصرف من مزدلفة في آخر الليل، كالرجل الذي معه نساء يحب أن يذهب إلى منى من أجل أن يرمي الجمرات قبل أن يأتي الناس فليذهب إلى منى، وله أن يرمي من حين أن يصل إلى منى ولو كان قد بقي على الفجر ساعة أو ساعتين، لكن متى ينصرف من مزدلفة؟ قيل: ينصرف إذا انتصف الليل، وقيل: ينصرف إذا غاب القمر -أي: إذا مضى من الليل ثلثاه- وهذا هو الأقرب، المهم وصلنا إلى منى، أول ما يفعل يرمي جمرة العقبة، وهي آخر الجمرات مما يلي مكة، يرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ومن أين يأخذ الحصاة؟ من أي مكان، من منى من الطريق بين منى و مزدلفة، من مزدلفة من أي مكان، يأخذ سبعاً فقط، فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة.
 
ثم ينصرف فينحر هديه، ثم يحلق رأسه أو يقصره والحلق أفضل، ثم يحل من كل شيء حرم عليه إلا النساء، ثم ينزل إلى مكة ويطوف طواف الإفاضة وهو طواف الحج، ويسعى بين الصفا و المروة، ثم يعود إلى منى فيبيت بها ليلتين، الحادية عشرة والثانية عشرة، وبعد الزوال من اليوم الحاد عشر، وبعد الزوال من اليوم الثاني عشر يرمي الجمرات الثلاث: الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، كل واحدة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، لكنه بعد الأولى يقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو الله تعالى دعاءً طويلاً، وكذلك بعد الثانية، أما بعد جمرة العقبة فلا يقف.
 
ولنرجع إلى يوم العيد، فيوم العيد حين وصلنا إلى منى كم عملنا؟
 
أولاً: رمي الجمرات.
 
ثانياً: النحر.
 
ثالثاً: الحلق أو التقصير.
 
رابعاً: الطواف.
 
خامساً: السعي.
 
هذا هو الترتيب الأفضل، فإن قدم بعضها على بعض فليس عليه حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل في هذا اليوم عن التقديم والتأخير فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال:«افعل ولا حرج» فإذا رمى الجمرات الثلاث يوم الثاني عشر فله أن يتعجل وينهي الحج، وله أن يبيت ليلة الثالثة عشرة ويرمي اليوم الثالث عشر كما رمى يوم الثاني عشر والحادي عشر، وإذا أراد الخروج إلى أهله من مكة فلا يخرج حتى يطوف للوداع عند خروجه سبعة أشواط بثيابه التي عليه -العادية- وبدون رمل وبدون سعي، إلا المرأة الحائض أو النفساء فإنه لا وداع عليها.
 
وبهذا ينتهي الحج والعمرة على الوجه الذي هو أكمل الأنساك.
 
نسأل الله تعالى أن ييسر لنا ولكم الخير أينما كنا، وأن يوفقنا جميعاً للإخلاص لوجهه والاتباع لرسوله، إنه على كل شيء قدير، وإلى الأسئلة، نسأل الله أن يوفقنا فيها للصواب.