تفسير سورة الأحزاب - 8
مدة الملف
حجم الملف :
85949 KB
عدد الزيارات 602

عناصر المادة :
تفسير الآية (35)

سوى لحافها، فإن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان ينزل الوحي على الرسول فيه وهو في لحافهن إلا عائشة .
وقوله: مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: ٣٤]، يُتْلَىبمعنى: يُقْرَأ، والتلاوة نوعان: تلاوة لفظية، وتلاوة معنوية، فإذا قلت: تَلَا كتاب الله حتى أكمله، فالمعنى اللفظية، وإذا قلت: سجدة التلاوة، فهي التلاوة أيش؟ اللفظية، أما التلاوة المعنوية فهي اتباع القرآن، تلاه يتلوه إذا اتَّبعه، فالتلاوة المعنوية بمعنى اتباع القرآن في عقائده، في أخلاقه، في أعماله، هذه التلاوة، أيهما المقصود الأعظم؟ المقصود الأعظم هو التلاوة المعنوية، التلاوة اللفظية لا شك أنها مقصودة، وأن مَن قرأ حرفًا من كتاب فله به عشر حسنات، لكن المهم هي التلاوة المعنوية، كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص: ٢٩].
مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: ٣٤]، آيَاتِ اللهِلا شك أنه القرآن، كما قال الله تعالى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت: ٤٩]، فالآيات آيَاتِ اللهِهو القرآن، والآيات هنا المراد بها الآيات الشرعية، فإن آيات الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين:
آيات كونية، وهي ما خلقه الله تعالى ويخلقه في هذا الكون، فإن كله آيات علامات على خالقه عز وجل؛ لِمَا فيه من بديع الصنعة، والنظام الحكيم البالغ الذي لا يتناقض ولا يتنافر، ولهذا قال الله عز وجل: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون: ٩١]، وإذا ذهب كل إله بما خلق لم يكن الكون منتظمًا؛ لأن كل إله يَخْلُق على ما يريد، ثم لا بد من عُلُوّ أحدهما على الآخر؛ لأنهما إن تمانعا وعجز كل واحد منهما عن الآخر لم يصح أن يكونَا إلهين، وإن غلب أحدهما الآخر فالمغلوب لا يصح، وحينئذ تكون الدلالة العقلية على أنه لا بد من إله واحد فقط وهو الله سبحانه وتعالى.
المهم أن الآيات الكونية كل ما يخلقه الله في الكون، أما الآيات الشرعية فهي ما جاءت به الرسل من الوحي، وسُمِّيَت آيات لأنها علامات على مُشَرِّعها ومُنْزِلها؛ لِمَا فيها من انتظام المصالح وانتفاء المفاسد، فإن الشرع كله تحصيل للمصالح وتقليل للمفاسد، ولذلك ما من شيء يتضمن مصلحة راجحة أو خالصة إلا أمر به الشرع، وما من شيء يتضمن مفسدة خالصة أو راجحة إلا نهى عنه الشرع، لكن من المصالح ما ندركه بعقولنا، ومن المفاسد ما ندركه بعقولنا، ومنه ما لا ندركه، ولكننا نعلم علم اليقين أن مقتضى حكمة الله عز وجل ومن أسمائه الحكيم أنه لا يمكن أن يأمر إلا بما فيه مصلحة؛ إما خالصة، وإما راجحة، ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة إما خالصة وإما راجحة، ولهذا سُمِّيَت الكتب النازلة من السماء آياتٍ؛ لأنها علامات على مَن شرعها سبحانه وتعالى، وعلى مَن أنزلها، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، ما يجدون اختلافًا مرة أو مرتين أو ثلاثًا، اختلافًا كثيرًا وتناقضًا كثيرًا.
هنا مسألة خارجة عن الموضوع بدأ الناس يفعلونها، يُقْسِمُون بآيات الله، يقول: قسمًا بآيات الله ما كان كذا وكذا، أو قسمًا بآيات الله لأفعلن كذا وكذا، فما رأيكم بهذا القَسَم؟
فيه تفصيل؛ إن قصد الآيات الكونية فهو حرام؛ لأنه حَلِفٌ بغير الله، حَلِفٌ بالمخلوقات، وإن أراد بالآيات الآيات الشرعية فهو حَلِف بكلمات الله، والْحَلِفُ بكلمات الله جائز؛ لأن كلمات الله من صفاته، فما هي الغالب على العامة حينما يُقْسِمُون هذا القَسَم؟ الغالب فيما أظن الآيات الشرعية، أنهم ما يريدون قسمًا بآيات الله قسمًا بالشمس، وبالقمر، وبالنجوم، وبالليل، وبالنهار، ما يقسمون بمثل هذا، قسمًا بآيات الله يقصدون بذلك القرآن، وحينئذ يكون هذا القسم جائزًا باعتبار الدلالة العرفية على المراد به، أما لو نظرنا إلى لفظه فلا بد من التفصيل.
الطالب: الآيات الشرعية تدخل فيها السنة؟
الشيخ: نعم، لكن هنا قال: وَالْحِكْمَةِفبَيَّنَ لما قال الحكمة قال المؤلف رحمه الله: (الْحِكْمَةِالسنة).
الطالب: لو قال: قسمًا بآيات الله (...)؟
الشيخ: لا، أبدًا، هم ما يريدون إلا القرآن، ما يسمون السُّنَّة آيات.
الطالب: كلمة يُتْلَىإذا قلنا: بمعنى يَقْرَأ؟
الشيخ: يُقْرَأ.
الطالب: إي، يُقْرَأ، كيف تكون القراءة المعنوية؟
الشيخ: لا، هنا ما تكون التلاوة المعنوية، التلاوة اللفظية، لكن إحنا قسمنا التلاوة من حيث هي عمومًا.
الطالب: التلاوة أليست هي القراءة؟
الشيخ: التلاوة إذا قيل: الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ [فاطر: ٢٩]، الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة: ١٢١] فهو يشمل هذا وهذا اللفظية والمعنوية، لكن هنا الظاهر منها اللفظية فقط.
قال: مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ.
طالب: (...)؟
الشيخ: المصحف؟
طالب: سورة براءة.
الشيخ: سورة براءة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا يَخُصُّون هذه السورة؟
الطالب: (...).
الشيخ: لكن لماذا يَخُصُّون السورة هذه؟
الطالب: لأنها مُرْهِبَة.
الشيخ: مُرْهِبَة، رهيبة، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات: ١٥] المرسلات.
على كل حال القَسَم بالمصحف من البِدَع؛ لأنه ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، والذي ورد في تغليظ الأيمان ما ذَكَرَه الله في سورة المائدة: فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [المائدة: ١٠٦]. قوله: تَحْبِسُونَهُمَاقبلها، تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِصلاة العصر، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الدعاوي أن التغليظ يكون بالزمان، ويكون بالمكان، ويكون بالهيئة، ويكون بالصيغة.
وَالْحِكْمَةِقال المؤلف: (هي السنة)، كما قال الله تعالى: وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء: ١١٣]، وقال: وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران: ١٦٤]، والأصل في العطف المغايرة، وإلا فلقائل أن يقول: إن القرآن الكريم قد تَضَمَّن الحكمة، فيكون تعليم القرآن تعليمَ الأحكام وتعليمَ حِكَمِ الأحكام؛ لأن معرفة أحكام الشريعة أمر عظيم جدًّا، فالإنسان إذا عرف حكمة الأحكام الشرعية يستنير قلبه أكثر، ويقتنع بالأحكام الشرعية أكثر، ويعرف من صفات الله عز وجل وحِكَمِه ما هو أكثر، ويستطيع أيضًا أن يُقْنِع مَن؟ أن يُقْنِع الخصم؛ لأن الخصوم لو تقول له –مثلًا-: هذا حرام؛ لأن القرآن حَرَّمَه فهو قد لا يكون ممن يؤمن بالقرآن أو يطمئن إليه، لكن إذا كان لديك معرفة بحِكَمِ الشريعة أمكنك أن تُقْنِع هذا الشخص، ولهذا معرفة الحكمة -حكمة الشرع- مهم جدًّا، بل إن غالب القياس إنما جاء من معرفة الحكمة؛ لأنه إلحاقُ فرعٍ بأصلٍ في حُكْمٍ لعلةٍ جامعة، وعلى هذا فربما يقول قائل: إن المراد بالحكمة ما يُعْلَم من أسرار أحكام الشريعة وحِكَمِها، ولكن أهل العلم من السلف والخلف، أئمة الخلف فسَّرُوا الحكمة بأنها السنة.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [الأحزاب: ٣٤].
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، معرفة المتشابه؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما أدري والله، ما أعرف هذا.
الطالب: قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٦٩].
الشيخ: أقول: ما أعرف هذا، ما هو كلما جاءت الحكمة فهي السنة، إنما إذا قال: الكتاب والحكمة، يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة: ١٢٩]، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء: ١١٣]، وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ، ما هو معناها أن كلما جاءت الحكمة فهي السنة.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا، لَطِيفًاقال المؤلف: (بأوليائه خَبِيرًابجميع خلقه) اللطيف فسَّره أهل الباطل بأنه الذي لا يُدْرَك لصغره -أعوذ بالله- لطيف، أنت ما تقول: هذا لطيف، يعني: صغير ما ينشاف، ففسَّرُوه بذلك وكذبوا، وفسَّرَه أهل السنة فقالوا: إن اللطيف جاء في كتاب الله مُعَدًّى باللام ومُعَدًّى بالباء، اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ [الشورى: ١٩]، إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ [يوسف: ١٠٠]، فعُدِّي بالباء وعُدِّي باللام، وعلى هذا فيكون اللطيف له معنيان؛ أحدهما اللطف للعبد، وهو أن الله عز وجل يُقَدِّر له مواقع الإحسان، بمعنى أنه يلطف له فييسر له الأمر ويسهِّلُه عليه، وأما اللطيف به –بالباء- فهو بمعنى إدراك الأمور الخفية؛ لأن اللطيف معناه الذي يُدْرِك ما لَطُف، فمعنى لَطِيفٌ بِعِبَادِهِأي: مدرك لما خفي من أمورهم، فيكون بمعنى الخبير، بل أدق من معنى الخبير، ولهذا جمع الله بينهما فقال: خَبِيرًا، والخبير قال العلماء: هو العالم ببواطن الأمور، يقول ابن القيم في النونية، وهي من أحسن ما نُظِمَ في التوحيد وأجمعه، يقول:

وَهوَ اللَّطِيفُ بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ وَاللُّطْفُ فِي أَوْصَـــافِهِ نَوْعَــــــانِ
إِدْرَاكُ أَسْرَارِ الْأُمُورِ بِحِكْمَةٍ وَاللُّطْفُ عِنْدَ مَوَاقِعِ الْإِحْسَانِ

فهذا معنى اللطيف، فصار اللطيف له معنيان؛ اللطيف للعبد، واللطيف به، فاللطيف به بمعنى: الخبير ببواطن أموره وما لَطُف من أمره، وله: الذي يُقَدِّر له من أسرار حكمته أو من أسرار إحسانه وفضله ما لا يدركه بعقله.
نأخذ الآن فوائد الآيات.. ويش آخر ما قرأنا الفوائد؟
قال الله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب: ٣٣]، في هذه الآية الكريمة: وجوب قرار المرأة في بيتها، انتبهوا إلى هذه الفائدة، أو نقول: مشروعية؟ مشروعية، لأن القول بوجوب القرار يخالفه ما جاء في السنة من الإذن للنساء بالخروج لكن بدون تَبَرُّج، وعلى هذا فنقول: مشروعية؛ لأن كلمة مشروعية تتسع للواجب والمستحب.
ومن فوائد الآية: أن بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ملك لهن؛ لقوله: فِي بُيُوتِكُنَّ.
فإن قال قائل: الإضافة هنا للاختصاص وليست للتمليك، كما تقول: السرج للدابة، والْمِقْوَد للبعير، وهل هي تملكه؟ لو قال قائل ذلك بأن الإضافة للاختصاص، وأن بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم للنبي صلى الله عليه وسلم، ماذا نقول؟
نقول: إن الواقع يخالف ذلك؛ لأن هذه البيوت لو كانت للرسول عليه الصلاة والسلام ما بَقِيَت مع أمهات المؤمنين بعد موته؛ إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُورَث.
ومن فوائد الآية الكريمة: الفائدة المأخوذة من الإضافة فِي بُيُوتِكُنَّ، فإن فيها الإغراء على لزوم البيت؛ لأنه بيتها وسترها، يعني كلمة فِي بُيُوتِكُنَّأبلغ من كلمة: وقرن في البيوت، كأنه يقول: هذا البيت ما بُنِيَ إلا لك سترًا لك وصونًا، فالزمي هذا البيت الذي من أجلك بُنِيَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تبرُّج الجاهلية؛ لقوله: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى.
ومن فوائدها: جواز التبرج إذا كان مبنيًّا على العلم والسنة؛ لأن المنهيّ عنه من التبرج هو تبرُّج الجاهلية، ولهذا يجوز للمرأة أن تتبرج في بعض المواضع، وليس حرامًا عليها كل تبرج.
ومن فوائد الآية الكريمة: ذَمُّ الجهل؛ لقوله: تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، فإن نسبة هذا إلى الجهل لا شك أنه يراد به التنفير.
ومن فوائد الآية الكريمة: مَدْح ما كان مبنيًّا على العلم، من أين يؤخذ؟ لأن ذَمّ الضِّدّ يدل على مدح ضده، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.
فإذا كان التبرج المبني على الجهل مذمومًا فإن ما بُنِيَ على العلم ليس مذمومًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي عند الإغراء أو التحذير أن يُذْكَر كل وصف يستلزم الإغراء أو التحذير؛ لقوله: تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، الأولى -كما قلنا فيما سبق- زمنًا أو الأولى نوعًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إقامة الصلاة على النساء، كما هو واجب على الرجال؛ لقوله: وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ، ووجوب إيتاء الزكاة؛ لقوله: وَآتِينَ الزَّكَاةَ.
ومن فوائدها: الإشارة إلى أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من الموانع عن المحرَّمات؛ لأنه قال: لَا تَبَرَّجْنَ، ثم قال: وَأَقِمْنَ، فدل هذا على أن من أسباب عدم التبرج إقامة الصلاة، ولا ريب في هذا؛ لأن الله يقول: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥]، ويقول عز وجل: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة: ٤٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، من أين تؤخذ؟ من الأمر بهذا، ثم بعد ذلك قال: وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وطاعة الله ورسوله يدخل فيها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فالنص على بعض أفراد العامّ يدل على العناية به، سواء تقدم الخاصّ أو تأخَّر، فمثلًا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [الحج: ٧٧]، هذا تقدَّم الخاصُّ على العامِّ، أو لا؟ ارْكَعُوا وَاسْجُدُواوهذا من فعل الخير، ثم قال: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر: ٤]، هذا من باب تقدُّم العامّ على الخاصّ، وسواء تقدَّم العامّ على الخاصّ أو تأخَّر فإنه يدل على العناية بالخاصّ، ولهذا نُصَّ عليه من بين أفراد العامّ.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب طاعة الله ورسوله؛ لقوله: وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
ومن فوائدها: أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله؛ للعطف بالواو الدالَّة على الاشتراك، وقد قال الله عز وجل في القرآن الكريم: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠].
ومن فوائدها: أن الله أراد بحكمته البالغة أن يُذْهِب الرجس عن آل البيت؛ لقوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب: ٣٣].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخضوع بالقول، وأن تبرُّج الجاهلية من الرجس، وأن القرار في البيوت، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله من أسباب زوال الرجس؛ لأن ما تقدم أوامر ونَوَاهٍ بَيَّن الله تعالى أنه إنما أمر بها ونهى عنها من أجل أن يُذْهِبَ عن هذا البيت الرجس، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن زوجات الإنسان من آل بيته، صح؟ فإذا قال: هذا وقفٌ على آل بيتي، شمل النساء، وإذا قال في الأضحية: اللهم هذا عني وعن أهل بيتي، شمل النساء؛ لأن الله تعالى جعل زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم من آل بيته.
ومن فوائد الآية الكريمة: تفخيم هذا البيت وتعظيمه؛ لقوله: أَهْلَ الْبَيْتِ؛ لأن (أل) للعهد الذهني، كأن هذا البيت معهود معلوم بأذهان الناس لا يغيب عنها؛ لما لهذا البيت من المكانة الرفيعة والخصلة الحميدة.
ومن فوائدها أيضًا: أن الله عز وجل أراد أن يُذْهِب الرجس وأثر الرجس أيضًا، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، وهذا فوق ذَهَاب الرجس؛ لأننا لو ضربنا هذا بالمثال الحسي وقلنا: إن هذا الثوب تلطَّخ بنجاسة، فحكَكْنَا هذه النجاسة حتى زالت عينُها، هذا ماذا يسمى؟ هذا إذهاب الرجس، فإذا صببنا الماء حتى نَظُفَ المكان تمامًا وزال الأثر صار ذلك تطهيرًا، ولهذا جاء في الحديث الصحيح في دعاء الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» ، فذكر المباعَدة أولًا قبل التَّلَبُّس بالخطيّة، ثم ذَكَر التنقية من الخطيّة بعد التلبس بها، ثم ذكر أبلغ من ذلك وهو الغسل، غسل هذه الخطية وآثارها بالماء والثلج والبَرَد، والحاصل أننا نقول: إن قوله: يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًاهذا فوق إذهاب الرجس.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإرادة لله؛ لقوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ.
ومن فوائدها أيضًا: أن البيت المطهَّر من الرجس، سواء بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ولَّا غيره من البيوتات، أن البيت المطهَّر يعتبر من أفضل البيوتات، ويعتبر تطهيره من أكبر النِّعَم عليهم، منين يؤخذ؟ من أن الله امْتَنَّ بذلك على آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا شيء معلوم في الناس، الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، من الناس معدن خبيث، ومن الناس معدن طيب، ولهذا لو أن أحدًا تلبَّس برجس من الأرجاس، من حَمُولة طيبة قبيلة طيبة، ويش يقول الناس؟ يستغربونه ويستنكرونه، ويرون هذا أشد، لكن لو تلبَّس أحد برجس من الأرجاس وهو من قبيلة معروفة بذلك أيش يقولون؟ ما يُسْتَغْرَب، يقولون: إن الغصن من الشجرة، ولا هو بغريب أن يفعل هذا الفعل؛ لأن آباءه وإخوانه وأعمامه وما أشبه ذلك فعلوا مثله، ولا شك أن الله إذا مَنَّ على آل بيت من البيوت بالتطهير والكرم والنظافة والنزاهة فإن ذلك من نعمة الله عليهم.
واعلم أن الله تعالى قد يجعل على يد الشخص الواحد طهارة كل قبيلته كما هو مشاهَد، يخرج رجل واحد صالِح مُصْلِح يُنْذِر عشيرته الأقربين، ويحرص على دعوتهم للحق، فيُصْلِح الله تعالى على يديه كل قبيلته، إذا جاء ذلك بإخلاص وبامتثال لأمره سبحانه وتعالى في قوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤]، لكن ما أدري عن أنفسنا نحن، أيش تقولون؟ إي والله الله يصلحنا، عندنا تفريط وإهمال، الإنسان ما يتفقد أهله اللي في بيته، ولا يتفقد أهله قرابته اللي في غير بيته، صحيح هذا هو الواقع؛ يعني الناس الآن ما كأنهم يعني غاية ما يتواصلون به إن تواصلوا في الأمور الدنيوية، لكن هدايا الدين ما أقلها، ما أقل ذلك، وإن كان والحمد لله يوجد، أنا ما أقول: إني أُقَنِّطُكم من رحمة الله، يوجد والحمد لله مَن إذا رأى في بيت أقاربه ما يُكْرَه ينصحهم ويرشدهم، ويُبَيِّن لهم ذلك، وربما بعض الناس يهجرهم ما يذهب إليهم، كل هذا من أجل الحرص على تقويمهم.
طالب: الأول كان يحتاجون بعضهم، الآن (...).
الشيخ: صحيح إن الآن ما هم مثل أول، وإن الفقر لباس طيب في الحقيقة، مثلما قال حميدان الشويعر:
الفقر خديديم أجواد ودك يا طا كل زنقه

فالحاصل أن الفقر قد يكون فيه خير، «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَغْنَاهُ اللهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى» ، لكن مع ذلك لا تيأسوا والله كم من قلب لان للحق وهو من أفسق عباد الله، هذا شيء الذي يجعلنا بالحقيقة نستحسر هو اليأس، ويعقوب عليه السلام قال لبنيه: اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [يوسف: ٨٧]، مع أنه في تلك الساعة ويش يظن؟ يظن أنهم ما هم بواجدينه، لكن مع هذا لقوة رجائه بالله عز وجل، وإن الأمور لا تقيسها بما تشاهد، هناك شيء وراء المادة، هناك شيء وراء المشاهدة وما تسمع، وهو إرادة الله عز وجل وقدرته، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:٢، ٣]، من بابٍ ما كان يظن أن يأتيه الرزق منه، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم اليقين.
طالب: يعقوب كان يعلم بيوسف أنه حي؟
الشيخ: لا، يمكن يظن ويرجو؛ لأن الله قد وَعَدَهُ بذلك.
الطالب: (...) وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [يوسف: ٨٦]؟
الشيخ: إي نعم، هو يظن ويرجو، لكن هذه الوقائع قد تعطي القلب يأسًا.
ثم قال عز وجل: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [الأحزاب: ٣٤]، في هذه الآية من الفوائد تذكير أُمَّهَات المؤمنين بهذه النعمة العظيمة، وهي -لا أحد يسألني وأنا أستنبط الفوائد- تذكير زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه النعمة العظيمة؛ لقوله: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ.
ومن فوائدها: أن مَن أعطاه الله علمًا كان طلب الاستقامة منه أَوْكَد وأوثق، إذا أعطى الله الإنسان علمًا فإنه يُطْلَب منه من الاستقامة أكثر مما يُطْلَب ممن؟ لم يُؤْتَ علمًا، لأنه قال: اذْكُرْنَ مَا يُتْلَىفليس عليكن قاصر في العلم، بل إن العلم يُتْلَى في بيوتكن.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن البيت الذي يُتْلَى فيه كتاب الله خير من البيت الذي لا يُتْلَى فيه كتاب الله؛ لقوله: اذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا» ، يعني: لا تجعلوها مثل القبور لا تصلون فيها، وفي الحديث الصحيح عنه: «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» ، وكان مِن هَدْي الصحابة رضي الله عنهم أنه تُسْمَع لبيوتهم من تلاوة كتاب الله يُسْمَع لها دَوِيّ كدَوِيّ النحل من قراءة كتاب الله تعالى في البيوت.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن من آيات الله؛ لقوله: مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وقد سبق في التفسير بيان كونه من آيات الله عز وجل؛ لِمَا يتضمن عليه من المصالح والْحِكَم والأسرار.
ومنها -من فوائد الآية الكريمة-: أنه إذا قُرِنَت الحكمة بالكتاب فالمراد بها السنة؛ لأن السنة أيضًا تتضمن الحكمة، والله عز وجل لم يَصِف السنة بالحكمة؛ لأن القرآن ليس فيه حكمة، ولكن لَمَّا كان القرآن من عند الله وكلام الله فإن احتمال ألَّا يتضمن الحكمة بعيد ولَّا لا؟ بعيد جدًّا، لكن لما كانت السنة من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام فإن كلام البشر قد يَرِد عليه احتمال ألَّا يكون مشتملًا على الحكمة، فبَيَّن الله عز وجل أن السنة حكمة، وإن كانت من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام أو من فعله فإنها حكمة؛ لأنها موافقة للصواب.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: اللطيف والخبير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله كان لطيفًا خبيرًا، أما الآن فلا.
طالب: لا.
الشيخ: لا؟ ليش؟ كان هذه مسلوبة الدلالة على الزمان، وإنما يراد بها اتصاف المبتدأ أو الاسم بالخبر فقط، بقطع النظر عن الزمان، إذن ما الفائدة منها، لماذا لم يقل: إن الله لطيف خبير؟ الفائدة منها تحقُّق الاتصاف بهذا الوصف، هذه الفائدة، (كان) يعني قد تحقق ذلك في حقه، وهو أنه سبحانه وتعالى لطيف خبير.
ومن فوائدها: ما تضمَّنه هذان الاسمان من صفات الله عز وجل؛ من اللطف والخبرة.
طالب: أَهْلَ الْبَيْتِممكن يرد على مَن أنكر أن نساء النبي من آل البيت؟
الشيخ: إي، كيف؟ فيها بلا شك، أنا سمعت شريطًا للأخ إحسان ظهير إلهي.
الطالب: إلهي ظهير.
الشيخ: إحسان إلهي ظهير يرد على رجل من الشيعة ويتكلم عن هذه الآية بشدة وبقوة، يقول: إن الذي يصرف الآية هذه إلى آل بيته الأربعة ما يعرف اللغة العربية، ولا يعرف أساليب الكلام، كيف إنه يُخْرِج هذه الآية من بين الآيات كلها المحيطة بها والتي توجَّه إلى أمهات المؤمنين ويُخْرِج هذه الآية؟
أيش سؤالك أنت؟
الطالب: ما فيه فائدة أن (...)؟
الشيخ: بشرط إن طلبة العلم يعلِّموهم.
الطالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، إذا كان الزوج أخرس ما يقول شيئًا، وهي لا تعرف تقرأ، وعنده كتب وهي ما تقرأ، والزوج ما يعلِّمها.
الطالب: (...).
الشيخ: قد لا يكون.
الطالب: من قوله: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ.
الشيخ: إذا معناها ما (...)، ربما يكون عند المرأة مثل ما قال الأخ عندها أشرطة تستمع إليها، فيقال: كل امرأة يوجَد في بيتها أو يُتْلَى في بيتها حرف من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو كلام أهل العلم المبني على الكتاب والسنة فعليها من الواجب أكثر ممن لم تعرف.
طالب: طالب العلم.
الشيخ: لا، تُلْزِم زوجات طلبة العلم الْخُرْس.
الطالب: (...) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ؟
الشيخ: مَا يُتْلَى.
الطالب: (...).
الشيخ: إي، هذه يؤخذ منها؛ لأننا ذكرناها، قلنا: إن الذِّكر هنا أن المرأة تذكر فضل ونعمة الله عليها في هذا، وتتذكر أيضًا هذا الذي يُتْلَى بتَعَلُّمه وبتعليمه أيضًا؛ تعلُّمه يعني لأنه يأمر بالتعليم، وإلا نفس اللفظ ما يدل عليه؛ لأنه ما قال: ذَكِّرْن ما يُتْلَى، قال: اذْكُرْنَ.
الطالب: شيخ، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ، فيها رَدّ أيضًا على المسلمين الذين ينكرون السنة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يقولون: نأخذ بالقرآن ونتلوه.
الشيخ: نعم، كيف؟ فيه رد على هؤلاء، ورد على آخرين يقابلونهم، يأخذون بالسنة ولا يأخذون بالقرآن؛ لأن فيه ناس الآن، فيه ناس مع الأسف يعتنون بالسنة اعتناء عظيمًا، حتى إنهم يغوصون على أشياء قد لا تكون صحيحة ويأتون بها، لكن في القرآن خاطِبْهم في القرآن ما يعرفون شيئًا في القرآن، لا في تفسيره، ولا في إعرابه، ولا في شيء أبدًا منه، بينما هم في السنة يُذْهِبُون ليلهم ونهارهم، وهذا خطأ؛ لأن أول ما يجب أن نتعلم القرآن، ثم بعد ذلك السنة؛ لأن القرآن هو الأصل، الآن انتهى وقت الحديث، لكن نبغي نأخذ (...).
قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب: ٢٨] لا بد نحن ذكرنا الفوائد، لكن في ظني أننا ما ذكرنا أن التخيير لا يكون طلاقًا، ولا ذكرنا أن في ذلك حماية لفراش الرسول عليه الصلاة والسلام من أن يكون فيه مَن يريد الحياة الدنيا وزينتها، ولا ذكرنا أن في ذلك أيضًا دفاعًا عن الرسول عليه الصلاة والسلام حتى لا يطالبنه بعد ذلك بشيء من الحقوق، أظن ذكرنا أن فيه مناقب لزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، فالمهم أن فيه فوائد كثيرة تحبون نأخذها ولَّا.. أنا أخشى أن.. بعضها مكتوبة الآن.
طالب: (...) الأخرس.
الشيخ: لا أن التخيير ليس بطلاق، ولا أخذنا أن فيه دفاعًا عن الرسول عليه الصلاة والسلام، أخذناه؟ خير إن شاء الله، أجل نمشي.
تفسير الآية (35)
00:44:25

قال الله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِإلى آخره.
أولًا: إن القرآن الكريم في غالب ما يتحدث عن الأحكام الجزائية والأحكام العملية أكثر ما يتحدث مخاطبًا الرجال؛ لأن الرجال أشرف من النساء، ولأن الرجال قَوَّامُون على النساء، فإذا صلح الرجال صلحت النساء، ولأنه إذا اجتمع جنسان فإنه يُغَلَّب أيش؟ أشرفهما وأعلاهما، فلهذا أكثر الخطابات الواردة في القرآن توجَّه إلى الرجال؛ لهذه الأسباب الثلاثة ولغيرها، لكن في بعض الآيات تُذْكَر الأحكام للرجال والنساء؛ إما على سبيل التفصيل، وإما على سبيل على الإجمال.
مثال الأول: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِإلى آخره، ومثال الثاني: قوله تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران: ١٩٥]، فإن في هذا إجمالًا، أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى.
في هذه الآيات ذكر المفسرون أن من أسباب نزولها أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، إن الله تعالى إذا تكلم إنما يتكلم عن.. ولا يذكر النساء، فأنزل الله تعالى هذه الآيات: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِإلى آخره، فقوله عز وجل: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، هذه (إنّ) التوكيدية التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر.
(...) ذكور وإناث.
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْأيش؟ ذكور ولَّا إناث؟ ذكور، ما قال: أعد الله لهم ولهن، قال: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ، فدلَّ ذلك على تغليب جانب الذكورية، كما أن في قوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِتقديم الذكور يدل على شرف الذكور، وهذا أمر لا يَمْتَرِي فيه عاقل، لكن لما جاء الغرب الخبيث القبيح المقلوب فطرةً ودينًا، وصار يقدِّم النساء من أجل إثارة الفتنة بهن، وتشريفهنّ على الرجال، لَمَّا جاء هذا الغرب الخبيث تبعه الذين يتبعون كل ناعق، وصاروا يقدِّمُون النساء على الرجال، حتى كانوا لا يطلقون على النساء إلا كلمة السيدات، يعني أنهن سيدات للرجال، فقلبوا الحقائق والأوضاع؛ لأن الله تعالى قد قلب فِطَرَهم، فعبدوا المادة دون خالقها، وكذلك تصرَّفوا في تصرفاتهم هذه، ويجب على المسلمين الحذر والتنبه من مغالطات أولئك الكفرة، لا في هذا، ولا في غيره، حتى يكونوا على بينة من أمرهم، ودينُهم والحمد لله قد بَيَّنَ الله فيه كل شيء.
الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِالإسلام في أعمال الجوارح الظاهرة؛ لأنه يشمل أو يُرَاد به أن يستسلم الإنسان لله ظاهرًا بجوارحه؛ بلسانه، بيديه، برجليه، بعينه، بأُذُنه، هذا الاستسلام الظاهر يسمى.. أيش تقولون؟ يسمى إسلامًا، وقد يقع من غير المؤمن، قد يقع من المنافق، وقد يقع من ضعيف الإيمان، قال الله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤]، هذا الإسلام مرتبته دون الإيمان، ليش؟ لأنه يقع من المؤمن الحق، ومن المنافق، ومن ضعيف الإيمان؛ لأنه الاستسلام لله تعالى بالجوارح الظاهرة.
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، هذا الاستسلام لله تعالى باطنًا، وذلك بالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ولسنا بحاجة إلى تفسير أحد للإيمان بعد أن فسَّره مَن؟ النبي صلى الله عليه وسلم، حين سأله جبريل: ما الإيمان؟ قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ، وتفاصيل هذه الجملة قد تكلمنا عليها مرارًا وليس هذا موضع بسطه.
إذن الإيمان هو أيش؟ الاستسلام لله باطنًا، بحيث يؤمن الإنسان بما يجب الإيمان به، وهو.. أكملوا، الإيمان بالله وملائكته، إلى آخره.
الإيمان أعلى من الإسلام لأن الإيمان يستلزم الإسلام، ولا عكس، فكل مؤمن لا بد أن يكون مسلمًا؛ لأنه إذا صلح القلب، أيش؟ صلحت الأعضاء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْعَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ، ولكن بعض الناس يعمل المعاصي ويحتج بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «التَّقْوَى هَاهُنَا» ، إذا قلت: يا أخي اتقِ الله، صَلِّ مع الجماعة، اتقِ الله دع حلق اللحية، اتقِ الله اترك الغيبة، وما أشبه ذلك، يقول لك: التقوى هاهنا، كيف ترد؟
طالب: نعم، صحيح أن التقوى في القلب، لكن إذا صلح القلب تصلح الجوارح، الإيمان باطنًا (...).
الشيخ: نعم، نقول: لو اتقى ما هاهنا لاتَّقى ما هاهنا، يعني لو اتقى الباطن لاتقى الظاهر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ»، فجعل الأمر جملة شرطية، والمعروف في اللغة والعرف والشرع أن الجملة الشرطية يتحقق فيها المشروط متى؟ إذا تحقق الشرط.
طالب: بعضهم يحتج علينا حين المناقشة بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، فكيف نرد عليه؟
الشيخ: نقول: صحيح، نحن معك أن هذه الذنب الذي تعمله دون الشرك قابل لأن يغفره الله، ولكن الله لم يقل: ويغفر ما دون ذلك لكل أحد، بل قال: لِمَنْ يَشَاءُ، فهل تشهد أنك أنت ممن شاء الله أن يغفر له؟ أيش نقول؟ إذن فأنت على خطر، والأصل أن الوعيد على المعاصي ثابت، هذا هو الأصل؛ لأن رَفْعَه تحت المشيئة، ووقوعه بمقتضى الوعد، فالأصل ثبوته، واضح؟ فلا حجة له في هذا.
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِيقول المؤلف، ما شرحها، وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ، الله يهديه يقول: (المطيعات)، كان عليه أنه يقول -الله يهديه ويغفر له، ولَّا عاد انتهى وقت الهداية- لكن يقول: وَالْقَانِتِينَكان عليه أن يقول: المطيعين، ولَّا لا؟ ويصير: وَالْقَانِتَاتِمعروف أنها المطيعات، واضح؟ نعم.
وَالْقَانِتِينَالقنوت هو ليس مطلق الطاعة كما يُفْهَم من كلام المؤلف، ولكنه الطاعة بدوام وذُلٍّ وسكون، ويدل لذلك قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨]، ولما نزلت هذه الآية أُمِرُوا بماذا؟ بالسكوت، ونُهُوا عن الكلام، فدلَّ هذا على أن القنوت ليس مجرد فعل الطاعة، بل هي طاعة مع ذُلٍّ وخضوع ودوام.
وقوله: الْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ، القنوت أعلى مما سبقه؛ لأن القانت معه الإيمان والإسلام، كما قال الله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩].
وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِفي الإيمان، الصدق هو الإخبار بما يطابق، هذا الأصل في معنى الصدق؛ الإخبار بما يطابق الواقع، مثل أن أقول لك: إن هذه المروحة تشتغل، هذا صدق؛ لأنه إخبار بما يطابق الواقع، ولو قلت: إن هذه المروحة لا تشتغل، لم يكن صدقًا؛ لأنه إخبار بما يخالف الواقع، ولكن الصدق هل هو في القول فقط، أو يكون الصدق في القول والعمل والعقيدة؟
الجواب: الأخير، يكون الصدق في العقيدة بأن يكون الإنسان صادق الإخلاص لله عز وجل في كل أعماله، صادق العقيدة بحيث تكون مطابقة لما جاء به الشرع، ويكون الصدق كذلك في الأقوال بألا يقول إلا صدقًا، ولو كان الأمر عليه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [النساء: ١٣٥]، وانظر إلى نتيجة الصدق في قصة الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن أيش؟
طالب: عن المعركة.
الشيخ: أي معركة؟
الطالب: اليرموك.
الشيخ: اليرموك؟! وين أنت .. اليرموك يا شيخ؟ نعم، الذين خُلِّفُوا؟
طالب: عن غزوة تبوك.
الشيخ: عن غزوة تبوك؟ لا، خطأ، ما قال: تخلفوا، فنقول: عن الغزوة، لكن خُلِّفُوا يعني أُرْجِئَ أمرهم؛ لأنهم جاؤوا أخبروا بالصدق، المنافقون كانوا يأتون ويقولوا: يا رسول الله لنا عذر ولنا عذر، فيستغفر لهم، ويَكِلُ سرائرهم إلى الله، لكن هؤلاء صدقوا فخُلِّفُوا، خُلِّفُوا عن أيش؟ عن الحكم عليهم بما حُكِمَ على المنافقين، وليس المراد أنهم خُلِّفُوا عن الغزوة، لو كان كذلك لقال: الذين تخلَّفُوا، هؤلاء الثلاثة وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، هؤلاء صدَقُوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأشد مَن تكلم وأَبْيَن مَن تكلم وأفصح مَن تكلم من هؤلاء الثلاثة كعب بن مالك؛ لأنه أشبُّهم رضي الله عنه، فتكلم كلامًا عجيبًا، ويحسن بكم أن تراجعوا قصته؛ لأنها في الحقيقة تزيد في الإيمان.
هؤلاء صدقوا، ماذا كانت نتيجة صدقهم؟ أن الله أنزل فيهم كتابًا يُتْلَى إلى يوم القيامة في مدحهم والثناء عليهم، حتى قال الله للناس كلهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩]، أما الآخرون قال: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة: ٩٥]، شوف الفرق بين الأمرين؛ هؤلاء كَذَبُوا فأُرْجِسُوا -والعياذ بالله- وهؤلاء صَدَقُوا فرُفِعُوا، فعليك بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكْتَب عند الله صِدِّيقًا .
فالمهم أن الصادقين والصادقات نقول: في الإيمان، وفي القول، وفي العمل، كيف الصدق في العمل، أيش لون؟ الصدق في العمل أن يكون مطابقًا للباطن، فلا تعمل رياءً، ولا سمعة، ولا مصانعة، ولا مجاملة، ولا لأجل شيء من الدنيا.
مثال ذلك: رجل أخرج من جيبه ألف درهم فتصدق بها؛ لأن الناس يشاهدون، فقال: أريد أن يقول الناس: ما أكرم فلانًا! هل صدق في فعله؟ ويش ظاهر فعله؟ أنه لله، صادق، ولكن حقيقة أمره العكس، بل كان كاذبًا.
ومن الصدق في الأعمال متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنها دليل على صدق محبة الإنسان لله ورسوله، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: ٣١]، فصار الصدق في العقيدة، في القول، في العمل.
وما هو الأصل في الصدق؟ ما معنى الصدق في الأصل؟
قال لك إنسان: إنه قد طلع الفجر، فنظرت وإذا الفجر طالع، وقال لك آخر: إن الفجر لم يطلع، فنظرت فإذا هو طالع، إذن ما هو الصدق والكذب؟ أيش معنى الصدق؟ الإخبار بما يطابق الواقع، هذا هو الصدق.
ذكرنا أن الصدق يكون في العقيدة، وفي القول، وفي العمل؛ الصدق في العقيدة الإخلاص لله عز وجل، وأن يكون ما يعتقده مطابقًا لما جاء به الشرع، الصدق في القول الإخبار بما يطابق الواقع، ولو كان على نفسك، يقول واحد: إن الكذب منجاة، إذا فعلت جريمة وسألك أحد فقل: ما فعلت، تنجو، قال له الثاني: لكن الصدق أنجى، أيهما أصح؟ الأخير، أنت إذا كذبت وقُدِّرَ أنك نجوت فإن العاقبة وخيمة، لكن إذا صَدَقْتَ وقُدِّرَ أنك عُوقِبْتَ فإن العاقبة حميدة، الصدق في العمل أن يكون مطابقًا لما في الباطن، في القلب، بحيث يتطابق الظاهر والباطن.
طالب: الصدق والكذب نجوة، الصدق أنجى وأنجوين.
الشيخ: إذا كان في الكذب.
الطالب: نجوة يعني نجاة فالصدق أنجى وأنجوين يعني..
الشيخ: إي نعم، أنجى مرتين، صحيح، نقف على هذا؛ لأنه انتهى الوقت. (...)

***

وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِإلى آخره.
كيف يخاطب الله سبحانه وتعالى المؤمنين (...).
مَن يعتقد ما يوافق الشرع فيما يتعلق بآيات الله وأسمائه وصفاته هذا من الصدق، الصدق في القول أظن (...).
وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ، لَمَّا كان الصدق قد يترتب عليه من مجاهدة النفس ما يترتب؛ لأن إخبار الإنسان بالصدق ولا سيما مع نفسه أمر صعب، أعقبه بذِكْر أيش؟ الصبر، يعني كأنما يقول: اصدق واصبر على صدقك، فقال: وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ، والصبر في اللغة الْحَبْس، ومنه قولهم: قُتِلَ صبرًا، يعني حَبْسًا، وفي الشرع: حَبْس النفس عن الكراهة لحكم الله عز وجل والتضجر منه.
أقول: إن الصبر أيش؟ حَبْس النفس عن التسخط والكراهة لحكم الله، حُطُّوا بالكم لهذا، فقولنا: لحكم الله، يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي، وهذا التعريف يشمل أنواع الصبر الثلاثة التي تكلَّم عليها أهل العلم، حيث قالوا: إن الصبر ثلاثة أقسام، أو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، فنحن إذا قلنا: حَبْس النفس عن التسخط والكراهة لحكم الله، يشمل الأنواع الثلاثة ولَّا لا؟ لأنه يقول: حكم الله الكوني والشرعي، فالكوني يتعلَّق بالصبر على أقدار الله، والشرعي يتعلق بالصبر على طاعة الله، وعن معصيته.
الصبر على طاعة الله هو أعلى أنواع الصبر؛ لأنه صَبْرُ النفس على عمل وحركة وتعب، والصبر عن معصية الله دونه في المرتبة؛ لأن فيه حَبْسًا للنفس عما تشتهيه من أجل أنه معصية لله عز وجل، لكن هل فيه عمل كالصبر على طاعة الله؟ ما فيه عمل، ما فيه إلا الكف؛ كفّ النفس عن هذا المحرَّم، فبهذا تميَّز الصبر على طاعة الله على الصبر عن معصيته؛ لأن في كل منهما جهادًا للنفس، لكن الصبر على الطاعة فيه تكليف النفس بالعمل، وهذا ليس فيه تكليف نفس بعمل، ولكن فيه أيش؟ الكف عن معصية الله، فلهذا كان دون الأول في المرتبة، ولكننا نحن نقول: دون الأول في المرتبة، باعتبار نفس النوع، لا باعتبار الصابرين؛ لأن بعض الصابرين يعاني من المشقة من الصبر على معصية الله أكثر مما يعاني من الصبر على طاعة الله، أليس كذلك؟ فلو فرضنا أن رجلًا تُسَاوِرُه نفسه وتدعوه إلى فعل الفاحشة بضغط شديد، ولكنه عندما يصلي يجد نفسه مرتاحًا بدون عناءً ولا مشقة، لا شك أن معاناته الأولى أشد، ولكننا نحن نتكلم عن أنواع الصبر من حيث هي نوع، بقطع النظر عن الصابر وما يتعلق بحاله.
أما القسم الثالث فهو صبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا أدنى أنواع الصبر؛ لأنه صبر على ما لا فِعْل الإنسان به، صبر على أمرٍ ليس من فعله ولا من مقدوره، أليس كذلك؟ لكن الصبر على الطاعة وعن المعصية من مقدوره، أما أقدار الله فإنها ليست بمقدوره، فهو صبر على أمر ليس بمقدورك، لهذا كان أدنى منه.
ولذلك قال بعض السلف في المصاب: إما أن يصبر صبر الكرام، أو يسلو سُلُوَّ البهائم، وهذا صحيح، مَن منا لم يُصَب ببدنه أو أهله أو ماله، ثم تكون المصيبة عظيمة جدًّا، وبعد مُضِيّ مدة من الزمن ينساها، ما كأنها شيء، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» ، هذه حقيقة الصبر، أما بعد ذلك تبرد النفس، وتتلهى بأمر بما يحدث لها من شؤونها في حياتها حتى تتسلى، ولا كأن شيئًا جرى.
إذن الصبر كم أنواعه؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره المؤلمة.
ما تقولون في صبر أيوب عليه الصلاة والسلام، من أي أنواع الصبر؟
طالب: (...).
الشيخ: ما هي؟
الطالب: صبر على طاعة الله.
الشيخ: بماذا؟
الطالب: والحقيقة أنه صبر على أقدار الله.
الشيخ: نحن ما نبغي إلا الحقيقة، صبره على ما مَسَّه من الضر، من باب الصبر؟ على أقدار الله، ما تقول في صبر يوسف عن فعل الفاحشة في امرأة العزيز؟
طالب: عن معصية الله.
الشيخ: صبر عن معصية الله، ما تقول في صبر يوسف على ما ناله من أَلَم السجن وأذيته؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) انتهى منه، لكن كونه سُجِن تألم وتأذى وصبر.
الطالب: أقدار الله.
الشيخ: على أقدار الله المؤلمة، هل ليوسف صبر على طاعة الله؟
طالب: دخوله السجن اختياري، رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف: ٣٣]، فيدل هذا على أنه اختار الطاعة (...).
الشيخ: أيضًا دعوته لأهل السجن إلى عبادة الله وإلى توحيده هذا من الصبر على طاعة الله، فاجتمع في حقه أنواع الصبر الثلاثة، وهكذا تكون أنواع الصبر الثلاثة لكثير من عباد الله، الرسول صلى الله عليه وسلم صبر على طاعة الله، وعن معصيته، ويش بعد؟ وعلى أقداره، وهذا شيء كثير.
إذن الصبر هل هو واجب أو مستحب؟ الصبر واجب؛ إحنا قلنا: كَفُّ النفس عن؟
طالب: المعصية.
الشيخ: لا، المعنى العام للصبر حَبْس النفس عن التسخط والكراهة لأحكام الله، ما قلنا: لشريعة الله، لأحكام الله، لأجل يشمل الصبر على أقدار الله المؤلمة، فالصبر إذن واجب، وفيه أجر كثير، قال الله تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠]، ولهذا قال الله تعالى في الصوم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» ؛ لأن الصوم حقيقةً اجتمع فيه أنواع الصبر الثلاثة؛ فهو صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره المؤلمة، فنسأل الأخ يحلِّل لنا هذه الأنواع الثلاثة في الصوم؟
طالب: صبر على طاعة الله؛ لأن الله أمر به.
الشيخ: لأنه؟ ما تقول: لأن الله أمره به، لأنه هو.
الطالب: (...).
الشيخ: اصبر ما خلصنا منك إلى الآن، صبر على طاعة الله، لماذا؟
الطالب: لأن الله أمر به.
الشيخ: لأنه صبر على الصوم، وحبس نفسه على الرضا به فصام، وصبرٌ عن معصية الله؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، الصائم مأمور بأن يجتنب أشياء كثيرة، فاجتنبها، إذن صَبَرَ عن معصية الله، صبرٌ على أقدار الله؟
الطالب: (...).
الشيخ: أنت صُمْتَ هذه السنة في رمضان؟
الطالب: (...).
الشيخ: الحمد لله، جعت وعطشت، وتألمت من هذا الجوع والعطش، إذن صبر على أقدار الله المؤلمة، ففيه أنواع الصبر الثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، الصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما هو متعلق بالإرادة الكونية، متعلق بالإرادة الشرعية، هو مراد لله تعالى شرعًا، وأما كونًا فإنما يكون مرادًا له فيمن صام فقط، انتهى الوقت الآن؟
طالب: نعم.
طالب آخر: المؤلف يقول: (على الطاعات).
الشيخ: لا، فيه نقص: (صابرين على الطاعات) أقول: في هذا نقص، الصواب: الصابرين على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى أقدار الله المؤلمة.
طالب: (...) الصبر حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب.
الشيخ: إي، صحيح، إحنا قلنا: عن الكراهة لحكم الله، عام، أعم مما قال رحمه الله. (...)
أو لا يُنَال أجرها ومرتبتها إلا بوجود أسبابها، فأما أن يقول الإنسان: أنا صابر، ثم لا يصبر، فإنه لا ينال تلك المرتبة، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يناله من أقدار الله المؤلمة أكثر من غيره، كما ثبت عنه أنه قال: «إِنَّهُ يُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ الرَّجُلَانِ» ، يعني أنه يصاب بالحمى كما يصاب الرجلان، وفي سياق الموت شُدِّدَ عليه عليه الصلاة والسلام من أجل أن تتم له هذه المرتبة، مرتبة الصابرين حتى ينال أعلاها.
قال: وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ، يقول المؤلف: (المتواضعين) -هذا مبتدأ درس اليوم- الخاشع المتواضع المتطامِن، وضده الْمُتَعَالِي المستَكْبِر، فالخشوع إذن تطامُن وخضوع وتواضع، وهو من أعلى مراتب الإيمان، ومن أكمل أحوال القلب، والخشوع له مواضع، منها: الخشوع في الصلاة، فَسَّرَه الفقهاء بأنه سُكُون في القلب يتبين على الجوارح، وبعضهم قال: معنًى في النفس يظهر منه خشوع الأطراف، فهو في القلب، ويظهر أثره على الجوارح، ولهذا يُرْوَى عن عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلًا يعبث بلحيته وهو يصلي فقال: لو سكن قلبُ هذا لسكنتْ جوارحه ، وقد رُوِيَ مرفوعًا ولا يصح، وإنما هو عن عمر على ما فيه من ضعف عنه.
فالخشوع في الصلاة هو سكون القلب الذي يظهر أثره على الجوارح، أو معنًى يقوم بالنفس يظهر منه سكون الأطراف، وهناك أيضًا خشوع في بقية الطاعات بأن يؤديها الإنسان وهو متواضِع متطامِن لله عز وجل، ومنه ما حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فَتَحَ مكة وانتصر على أهلها، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يدخل دخول العالي المستَكْبِر، وإنما دخل مطأطِئًا رأسه صلى الله عليه وسلم خاضعًا لله تبارك وتعالى.
ومنه أيضًا الخشوع في الحج والعمرة، حيث يؤديها الإنسان بتطامُن وذُلّ وهو يعتقد أنه يعبد الله، فأنت إذا دخلتَ في العمرة أو الحج فاعتقد أنك في عبادة من حين أن تقول: لبيك اللهم لبيك، إلى أن تنتهي، ولكننا مع الأسف الشديد لا نشعر بهذا، فتجد الإنسان يَتَلَبَّس بمحظورات الإحرام وبغيرها من الْمُحَرَّمَات إلا أن يشاء الله، أو إلا مَن شاء الله.
إذن الخشوع يشمل جميع الطاعات بأن يؤديها الإنسان بتواضع وذُلّ وتطامُن، ليس في قلبه استكبار ولا عُلُوّ، ولا فرق في هذا بين أن يكون الخشوع في أثناء العبادة، أو بعد فعل العبادة أيضًا؛ لأن من الناس مَن يخشع في العبادة، لكن إذا انتهى منها رأى نفسه في درجة عالية، وأنه مرتفع، وأنه قد نال درجة ما نالها غيره، وهذا من الإعجاب بالنفس وبالعمل، فالإنسان ينبغي له إذا أدى العبادة أن يكون كما قال الله عز وجل: قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون: ٦٠]، إن رأوا إلى تقصيرهم خافوا، وإن رأوا إلى فضل الله طمعوا.
وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ، وَالْمُتَصَدِّقِينَيعني: الباذلين للصدقة، والصدقة هي بَذْل المال تقربًا إلى الله عز وجل، ويشمل الزكاة فإنها أعلى الصدقات، ويشمل البذل التطوعي؛ كصدقة التطوع، وكالإنفاق على الضيف، وعلى الأهل، وعلى النفس، كل هذا من الصدقة، فما يجعله الإنسان في فَمِ امرأته من الصدقة، وما يأكله من الصدقة، كل شيء من المال تَبْذُلُه لله عز وجل فهو من الصدقة.
وقد يقال: إن المتصدقين أعمّ من الباذلين لمالهم فيما يرضي الله عز وجل، فيشمل فعل كل خير؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، تُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، تُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» .
فإذا أخذنا بهذا العموم صار المتصدقون والمتصدقات يشمل مَن قام بأي طاعة من طاعات الله عز وجل، ولكنه من المعروف أن المتصدقين والمتصدقات يتبادر إلى الذهن أنهم الباذلون لمالهم فيما يُرْضِي الله عز وجل.
وقوله: وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِلا حاجة بنا إلى التطويل في تفسير الصدقات، وما ينبغي للإنسان أن يتصدق به، وهل يجوز أن يتصدق بكل ماله ويدع عائلته فقراء، أو لا يجوز، فإن هذا له موضع آخر.
المهم أن الله تعالى أثنى على مَن؟ على المتصدقين والمتصدقات.
قال: وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِفي الصدقة بذل، وفي الصيام إمساك، وَالصَّائِمِينَهم الذين قاموا بالتعبد لله تعالى بالصيام، والصيام هو التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو أنواع؛ منه ما هو ركن من أركان الإسلام، ومنه ما هو واجب وليس بركن، ومنه ما هو سنة معينة مقيَّدة، ومنه ما هو سنة مطلقة، أربعة أنواع، فالواجب الذي هو فرض من فروض الإسلام؟
طالب: رمضان.
الشيخ: وغيره؟ ما فيه غيره، والواجب الذي ليس من أركان الإسلام؟
طالب: (...).
الشيخ: غيره، النذر أوجبته على نفسك.
الطالب: القضاء.
الشيخ: لا، القضاء من أركان الإسلام.
الطالب: (...).
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: صح كصيام الكفارات.
طالب: (...).
الشيخ: لا أبدًا، عندما يحنث الإنسان في يمينه ما أَوْجَبَ على نفسه أن يصوم، لكن فعل السبب.
ومنه ما هو سنة مقيَّدة بوقت معين؟
طالب: (...) الإثنين والخميس.
الشيخ: نعم، ومنه عاشوراء، وتسع ذي الحجة، ويوم عرفة، لا هذه الظاهر أنها ما تدخل في المعين، أو تدخل في المعين الست من شوال، تدخل في المعين؟ لكنها في كل الشهر، ومنه ما هو مطلَق، مثل أن يصوم الإنسان لله تعالى يومًا من الأيام، إلا أنه يُكْرَه أن يصوم الإنسان يوم جمعة منفردًا، بل إما أن يصوم يومًا قبله، أو يومًا بعده.
الصائمون والصائمات مُمْسِكُون عن ملاذِّهم وشهواتهم؛ عن الأكل، والشرب، والجماع، وما يتبع ذلك، لكن هذه هي الأساسيات في الملاذّ، ولهذا قال الله عز وجل في الحديث القدسي في الصائم: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» ، الصيام ألا يدخل في الصبر؟ بلى، ولكنه عبادة مستقلة بنفسها، متضمِّن للصبر.
وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِمن الحرام.
طالب: (...).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (...).
الشيخ: فيها أنواع الصبر الثلاثة.
وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ، الْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْعن أي شيء؟ قال المؤلف: (عن الحرام)، وهي كلمة جامعة تشمل حفظ الفرج عن الزنا، وحفظ الفرج عن النظر، وحفظ الفرج عن العمل المحرَّم الذي هو دون الزنا، وقد بَيَّنَ الله عز وجل مَن يُحْفَظ عنه الفرج، أو مَن لا يُحْفَظ، فقال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون: ٥ - ٧].
فأعلى شيء يُحْفَظُ عنه الفرج الزنا، وهو فعل الفاحشة في قُبُل أو دُبُر، إلا أنه إذا تعلَّق بذَكَر سُمِّيَ لواطًا، واللواط أعظم من الزنا -والعياذ بالله- لأن اللواط عقوبته الإعدام بكل حال، بل الأصح عقوبته القتل بكل حال، سواء كان الفاعل مُحْصَنًا أو غير مُحْصَن، لكن بشرط أن يكون مكلَّفًا، أي: بالغًا عاقلًا، فإذا تَلَوَّط ذَكَرٌ بآخر وهما عاقلان بالغان وجب قتلهما وإن لم يكونَا مُحْصَنَيْنِ، ولكن كيف يُقْتَلَان؟ اختلف في ذلك الصحابة رضي الله عنهم ومَن بعدهم، فقيل: يُرْجَمَان بالحجارة كالزاني المحصَن، وقيل: يُلْقَيَانِ من أعلى مكان في البلد ويُتْبَعَان بالحجارة، وقيل: يُحْرَقَان بالنار، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، حين كتب إلى خالد بن الوليد لما قال له: إن عنده رجلًا يُنْكَح كما تُنْكَح المرأة، فكتب إليه أبو بكر أن يحرقه، مبالغةً في عقوبته.
إذن أوجب ما يكون أن يُحْفَظ عنه الفرج هو الزنا، كذلك النظر يجب أن يحفظ الإنسان فرجه عن النظر، حتى الجنس مع جنسه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَنْظُرِ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ» ، فيجب حفظ العورة عن النظر، إلا على الزوجة وما ملكت يمينه، كذلك حِفْظُ الفرج عن الأفعال المحرَّمة غير الزنا واللواط والنظر، كالاستمناء مثلًا، وهو ما يُعْرَف عند الناس بالعادة السرية، ويكون في الرجال، ويكون في الإناث أيضًا، حتى الإناث يَسْتَعْمِلْنَ ذلك، هذه أيضًا مُحَرَّمَة لا تحل، وذلك لأنه ليس فيها حفظ للفرج، فإن الإنسان الذي يبتغي نيل شهوته بغير امرأته وما ملكت يمينه يدخل في قوله تعالى: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، فهو حرام بالقرآن وبالسنة أيضًا؛ السنة ذكرنا أن من أدلتها قول الرسول عليه الصلاة والسلام، أَجِبْ الحديث..